فكرة بسيطة خطرت ببالي, لنفترض مثلا أن المادة لديها وعي. لنفترض ذلك جدلا.

هذا لايعني أننا هنا نفترض أن المادة تفهم مامعنى "أنا", او تحس او تسمع ... ما اعنيه هنا هو أن لديها حالة وعي ..لكنها لاتعرف شيئا كما نعرفه نحن.

نأخذ مثلا صخرة, ونفترض (جدلا فقط) أن الصخرة لديها وعي, لكنها لا تستطيع أن تفهم وجودها , لاترى, لا تسمع, ولكنها تحتاج فقط تعقيدا معينا (كتعقيد الدماغ) لترى وتسمع وتحس وتستحضر وجودها ك"أنا".

سأنتقل الآن الى النقطة المهمة هنا :

اذا كانت هذه الصخرة لديها وعي (كما افترضنا), فإن هذه الصخرة تفتقر الى التعقيد (كتعقيد الدماغ).

هذا يعني أن الصخرة حتى ولو احست بوجودها في لحظة معينة (في جزء من الثانية), فإنه لاتوجد ذاكرة تنقل هذه التجربة المؤقتة الى الجزء التالي من الثانية.

بمعنى أن الصخرة في كل لحظة , في كل جزء من الثانية (بل وأقل من ذلك بكثير) , ستنسى أنها كانت قبل قليل (قبل جزء من جزء من جزء من الثانية). أو ربما قبل وحدة واحدة من زمن بلانك (اصغر مساحة زمنية ممكنة).

هذا يعني ببساطة أن الصخرة لن تعرف انها موجودة, ولن تحس بوجودها, لأن ذلك الاحساس بالوجود (الذي لايستمر مع الوقت لأنها لاتملك ذاكرة)... يتم فقدانه, لينشأ احساس اخر واخر واخر... وجميع هذه الاحاسيس يتم فقدانها مع كل جزء من الثانية (وأقل من ذلك).

هكذا نستنتج أن الجمادات والاجسام البسيطة (الغير معقدة) , والتي لا تستطيع تخزين ذاكرة تستمر لمدة طويلة نسبيا , هي اشياء لايمكن ان تكون واعية بالمعنى الذي نفهم به الوعي.

لكن هذا لايمنع ان تكون الصخرة نفسها يكون لديها وعي في هذه اللحظة, ثم يختفي قبل اللحظة القادمة لينشأ وعي آخر (أي صخرة اخرى).

مجرد فكرة لاثبات استحالة كون الجمادات واعية بوجودها (حتى بدون حواس).

هنا نستنتج ان البانسايكيزم Panpsychism (الفلسفة التي تقول أن الوعي متأصل في المادة, وأن الجمادات لديها درجة معينة من الوعي) ليس صحيحا تماما, لكنه قد يكون صحيحا لحد ما.

بشكل دقيق : البانسايكيزم لايمكن ان يكون صحيحا اذا زعم بأن المادة البسيطة (ذرة, صخرة...الخ) يمكنها ان تكون واعية بنفسها لأكثر من لحظة واحدة.

لكننا نبقى لاأدريين بخصوصه اذا قال أن الوعي موجود في المادة, لكنها ليست واعية لأكثر من لحظة. فهنا لايمكن نفي هذا الادعاء لأننا ببساطة لانعرف ماهو الوعي بالضبط.

من جهة أخرى, نحن لانعرف ماهو الحد الذي يبدأ فيه الوعي بالتجلي من المادة :

- هل الوعي متأصل في اللبنات الاولى للمادة, بشكل بسيط ؟ (بانسايكزم)

- أم أنه لاينشأ إلا بعد وصول التعقيد (رياضيا) الى درجة معينة؟

- أم أنه من السهل نشوء الوعي فقط بدرجة أقل تعقيدا (ماديا) كالحاسوب؟

- أم أن الوعي هو كثافة المعلومات في الكون؟ بحيث أن أي نظام (ولو كان برنامجا او خوارزمية حاسوبية) سيحقق الوعي فقط بوجود حسابات رياضية تأخذ فيها المتغيرات مجرى معين.

- أم أن الوعي هو حالة المعرفة والتذكر نفسها, استحضاري مثلا لوجه شخص معين, تجعل الامر يبدو لي وكأني أراه , رغم اني لا اراه بعيني, الا اني ارى شكل وجهه في مخيلتي (لكن ليس بالرؤية). هذا يعني أن فعل الرؤية المباشرة ماهو إلا نسخة محفزة وقوية من نفس فعل التذكر (الذي تتميز التجربة فيه بعدم الوضوح). ما يعني أن الوعي هو نفسه تلك المعلومات المخزنة في الدماغ على جميع المستويات.

- أم أن الوعي كيان مستقل عن المادة (من عالم روحي). هنا يمكنني القول أن هذه النظرة لا تُقدم شيئا لعدة اسباب :

1. نحن لانعرف ماهي المادة؟ وبالتالي اختراع عالم اخر لوضع الوعي فيه مجرد تكلف لما لايلزم أصلا.

لأنه عندما نفكر ونطرح السؤال : "لماذا يعتبرون الوعي من عالم اخر؟", نجد الاجابة كالتالي : لأنهم يعتقدون أن الكون والمادة لايمكن ان يكون فيهما الوعي متأصلا", أو لأنهم يعتقدون أن المادة لايمكن ان ينشأ منها الوعي.

لكني شخصيا أرى أنه لا ضرورة للتفكير كذلك, لأننا لا نعرف المادة اصلا, فلايمكن ان نحكم ان كان من الممكن ان ينشأ منها الوعي ام لا.

2. نحن لا نعرف ماهو الوعي؟ و ادعاء عالم اخر (روحي) , لا يجعل المدعي معفيا من تفسير "كيف ينشأ الوعي في العالم الروحي ؟" , إلا إذا اعفى المادينيين من السؤال : "كيف ينشأ الوعي في العالم المادي".

طبعا, تقدم ملاحظ للماديين : فهم على الاقل يعرفون ان المادة موجودة. كيف يعمل المنطق هنا؟ سأشرح لكم :

- المادي لا يفترض أن المادة موجودة, بل هو يعرف أنها موجودة. الثنائي (الذي يقول بثنائية الوعي والمادة) يفترض هنا أن الروح موجودة (بدون دليل). هنا هناك تقدم للمادي على الثنائي. (مادي 1 - 0 ثنائي).

- المادي يفترض أن الوعي ينشأ من المادة,وبعض الماديين يكونون لا أدريين بهذا الخصوص. الثنائي يفترض أن الوعي خاصية الروح, لا المادة. هنا , تعادل (مادي 0 - 0 ثنائي).

- المادي يقول أننا لا نفهم ماهي المادة, ولايمكن ان نفترض وجود عالم كامل روحي (لانفهمه) يفسر لنا ما لانفهمه, فقط لأن لدينا بالفعل عالم لانفهمه.

بمعنى أن لدينا عالما مجهولا (وهو العالم المادي) , لاداعي لافتراض عالم اخر (العالم الروحي) , بل لايمكن افتراض وجوده حتى نعرف العالم المادي ونحكم انه لايمكن ان ينشأ منه الوعي, وبما أننا لانعرف فلايجب ان نسقط في مغالطة التوسل بالمجهول Argumentum Ad Ignorantiam.

الثنائي هنا يقفز الى افتراض العالم الروحي مباشرة, قبل ان ينتهي من فهم العالم المادي بشكل كامل. هنا فهو يسقط في مغالطة التوسل بالمجهول.

النتيجة هنا هي (مادي 1 - 0 ثنائي) ...يتفوق المادي على الثنائي.

- المادي يقول أن عدم قدرتنا على ايجاد علاقة بين المادة والوعي, لايعني بالضرورة أنه لاتوجد بينهما علاقة, قد تكون صعوبة ايجاد علاقة تكمن في أن الوعي حقيقة ذاتية (subjective) , بينما المادة حقيقة موضوعية ، (objective)

بالعودة الى مثال الصخرة فوق, فإننا لسنا لانعرف فقط كيف يحدث الوعي, وماهي العلاقة بين الوعي والدماغ... بل اننا ايضا لانعرف "ماهي الصخرة" من منطلق تجربة ذاتية (أي أن تكون أنت الصخرة نفسها).

انت دائما عندما تنظر الى الصخرة فإنك تنظر إليها من بعيد , وهذا يجعلها مجرد مادة. بينما لم تجرب من قبل ان تكون الصخرة لتعرف الحقيقة الذاتية لديها, ان تكون الصخرة نفسها. لهذا السبب فلايمكنك ان تقول أن "تجربة الصخرة" أو "غياب تجربة الصخرة" هي حقيقة في عالم روحي (او عالم عدمي). بل أنت تقول أن عدم وجود تجربة للصخرة, هو جزء من العالم المادي. ومنه فكيف يمكن ان تحكم على التجربة الواعية نفسها؟

النتيجة : المادي يكون لاأدريا في مسألة العلاقة الوظيفية بين المادة والوعي (وهذا في صالحه 1 ) , بينما الثانوي يدعي مسبقا ان العلاقة غير موجودة (رغم انه لايعرف ما هما طرفا المعادلة بالضبط بشكل كامل: المادة والوعي , وهذا ليس في صالحه 0)

- المادي يقول أن تغيير بنية الدماغ, او تحفيزه بتيار كهربائي, او ببعض المواد يمكن ان يخلق تجارب واعية غير موجودة (الهلاوس) ... وهذا يعني أن الوعي ليس بالضرورة حقيقة في عالم روحي, ولكنه نتيجة مباشرة لتحفيز المادة.

في نظر المادي, لو كان الواعي في عالم روحي, لكان الوعي اكثر أصالة من المادة. لكن هنا نرى العكس : تحفيز الدماغ بطريقة مادية معينة, يمكن ان يؤدي الى حالة تجربة واعية غير حقيقة (كالهلوسة), ما يعني أن الوعي غالبا ليس في عالم اخر غير العالم المادي الذي نعرفه.

كما أن عدة تجارب طبية اثبتت ان تقسيم دماغ البشر يؤدي الى حالة من الوعي المزدوج (كحالة اليد الغريبة, او حالة منقسم الدماغ)

الثنائي غالبا لايجيب على هذه النقطة - 0, وهذا مرة اخرى في صالح المادية 1

خلاصة القول :

- المادية Materialism تحتاج فقط ان تفسر العلاقة بين المادة والوعي وكيف يؤثر كل منهما في الاخر.

- الثنائية Dualism ( فلسفة الروح والجسد) تحتاج ثلاثة امور : أن تثبت أن هناك عالما روحيا بأكمله, أن تثبت وجود علاقة بين الروح (كيان غير مادي) والجسد (كيان مادي), وأن تفسر العلاقة بين الروح والجسد.

طبعا , بما أن الماديين غير معفيين من تفسير العلاقة بين الوعي والجسد, فالروحيون ايضا غير معفيين من شرح العلاقة بين الروح والجسد (طبعا بعد اثبات وجود روح).

العلم الحديث اليوم يتعامل مع الدماغ والوعي من منطلق مادي, علماء الاعصاب اليوم يعرفون ما يكفي لكي يقولوا بأن الوعي نتيجة لعمل الدماغ, ولايمكنه ان يوجد بدون دماغ.

كما أن الوعي ليس أهم شيء في الانسان, بل هو مجرد ميزة انتخابية تطورية جعلت الكائنات كلما كانت اكثر تفاعلا مع الوسط (من منطلق الالم والمنفعة واللذة) , كلما كانت احتمالات نجاتها وتمريرها اكبر, ما أدى لنشوء تعقيد معلوماتي على مدى ملايين السنين من الطفرات والانتخاب الطبيعي. نحن إذن لسنا واعين لأننا "واعون بطبيعتنا الروحية". بل نحن واعون لأن هناك شيئا آخر أعمق وأهم منا ومن وعينا نحن : الجينات.

وهناك شيء اعمق واهم من الجينات - الرياضيات, الكون حاسوب ضخم, جميل, غريب ومجهول حتى بدون الحاجة لعوالم روحية.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا