لن استخدم هنا أي معادلات فيزيائية - فالموضوع مُعَقد حتى بدونها ... كل ما سأحاول فعله هو تقريب الصورة لفهم الانفاق الدودية بشكل جيد. ولماذا تعتبر أنفاقا يمكن من خلالها السفر عبر الزمكان بشكل آنِي على مستوى الفضاء الاحتمالي Probabilistic Space (أو ما يسمى البعد الخامس).

لكي نفهمها, سأقوم بعرض كل بعد على حدة, ثم بعدها سأعرض ماذا سيحدث, لو قمنا بحركة على مستوى أبعاد معينة, حتى نصل إلى الانفاق الدودية بالنسبة للأبعاد التسعة.

البعد الاول : يمين - يسار
في كون به بعد مكاني واحد, الكون كله عبارة عن خط مستقيمي و الكائنات في الخط, يمكنها فقط أن تنتقل الى اليسار و اليمين . لأنه في نظر هذه الكائنات, لا يوجد فوق وتحت, لايوجد أمام وخلف.
نفترض أننا قمنا بتقويس هذا الكون المستقيمي, الكائنات مازالت تسير في بعد واحد... لكن عملية حني الكون المستقيمي جعلت الخط يتقوس الى الأعلى والاسفل.. لفهم ذلك, تخيل معي حبلا.. على طول الحبل تسير النملات, (التي نعتبرها كائنات تعيش في بعد واحد).
رغم أن الحبل غير مستقيمي, بحيث أن فيه منعرجات وتقوسات, إلا أن النملات تحس بأنها لا تسير الا الى الامام والخلف (هي لا تفهم مامعنى أن يوجد اتجاهات خارج الحبل) , نظرا لكونها صغيرة جدا... النمل يسير في الابعاد الاخرى, لكنه لايحس بذلك.

لاحظ الصورة ,رغم أن الجسر منحني ومقوس, إلا أن النملات ستسير به ولن تحس بأنها تتحرك إلى أسفل و إلى فوق, مادامت تسير على الجسر الاحمر. بالنسبة لها, (بافتراض أن الجسرسمكه صفر), الجسر مجرد مستقيم في بعد واحد...رغم أنه ينحني الى تحت, إلا أنها لن تحس بذلك.
نفترض أننا قمنا بحني الجسر, لدرجة أن طرفيه يلتقيان, في هذه الحالة, النملة ستحس بأنها تسير مباشرة في خط مستقيم, وعندما تبلغ الطرف الاخر, فإنها ستعود إلى الطرف الاول في الجهة المقابلة... بقدرة قادر, ستحس بأنها قطعت كل المسافة في وقت آني. (مجرد خطوة واحدة, جعلتها تذهب الى الطرف البعيد من الجسر). هنا نقول, أن تقوس المكان (الجسر), أو تقوس الابعاد (بالنسبة لهذه النملة) إلى البعد التالي... خلق بالنسبة لها نفقا دوديا يمكنها من الانتقال من طرف الجسر الى الطرف الاخر, بشكل آني, عوض قطع كل المسافة. في نظرنا نحن, الطرفان يلتقيان, لكن في نظر النملة, كل ماهو موجود هو بعد واحد, وهي لاتعرف كيف يمكن لأطراف البعد الالتقاء, فهي اصلا لا يمكنها تخيل تقوس الجسر و انحنائه. وهكذا حققنا نفقا دوديا في عالم أحادي البعد, بانحناء المكان الى البعد الثاني

البعد الثاني : أمام - خلف
نضيف الآن بعدا ثانيا, الى عالمنا... الآن اصبح بمقدور تلك الكائنات أن تسير في الكون الذي يشبه ورقة سمكها يساوي صفر , لكنها لا تستطيع الخروج من الورقة, (بل لا تستطيع ايضا تخيل مفهوم فوق و تحت) ... انها كما لو كانت مرسومة في ذلك العالم.
يمكنها ان تسير امام , خلف, يمين, يسار...لكن لايمكنها الخروج ابدا. هذا في حالة كون الورقة على مستوى واحد.

 

نقوم الان بحني الورقة لتصبح على شكل اسطوانة, الآن, يمكن للكائنات السير على طول الورقة , يمينا ويسارا, أماما وخلفا ... لكن عندما تبلغ نهاية الورقة, فإنها ستنتقل بخطوة واحدة الى الطرف المقابل. بسبب التقائهما. الورقة عبارة عن بعدين فقط , و لكي نقوم بحني وتقويس الورقة, ينبغي ان نقوم بذلك إلى أعلى أو أسفل (إنحناء الى البعد الثالث). فنحصل في النهاية على عالم ثلاثي ابعاد (ورقة على شكل اسطوانة), تسكنها كائنات ثنائية البعد (الكائنات المرسومة على الورقة). طبعا, لايمكن ادعاء كون الورقة عالما له بعدان فقط, لأن لها صفحتان, وعليه فستعيش كائنات في الجانب الاسفل و الجانب الاعلى ايضا... لكن هناك شكلا آخر يمكن اعتباره عالما ثنائي البعد, وهو شريط موبيوس : Mobius Strip.
ما يميز شريط موبيوس, هو أن الكائن الذي يعيش على مستواه, يمكنه ان يسير الى الابد, ويقطع جميع المساحة, دون المرور من حافة الشريط... بعبارة اخرى, الشريط له صفحة واحدة فقط.

 

 لكن المهم هنا, هو أنه لكي نحصل على شريط موبيوس ثنائي الابعاد (له صفحة واحدة فقط) , يجب أن نقوم بحني الشريط في ثلاثة ابعاد... لا يمكننا الحصول على شريط موبيوس ببعدين فقط. (رغم أنه عالم من بعدين). شاهد الصورة.   يمكننا أن نقول أنه بالنسبة لكائن ثنائي ابعاد, يعيش على مساحة شريط موبيوس, إلتفاف الشريط في ثلاثة ابعاد يشكل نفقا دوديا عند الطرفين , بمعنى أنه عندما يسير الكائن مباشرة, فإنه سيصل إلى طرف الشريط (الذي إلتقى بطرف آخر), ليجد نفسه في الطرف الاخر. وهذا يسمى نفقا دوديا, بإنحناء المكان الثنائي الابعاد إلى البعد الثالث.

البعد الثالث : فوق - تحت
البعد الثالث, هو البعد الذي نعيش فيه نحن ... وهذا يسمح لنا بالانتقال على مستوى الابعاد الدنيا (يمين - يسار, امام - خلف) , بالاضافة الى البعد الثالث (فوق - تحت). طبعا, كما راينا من قبل ... اذا أردنا ان نخلق نفقا دوديا على بعد معين, يجب ان نقوم بحني الكون إلى البعد التالي...ففي المثال الاول: لكي نحقق نفقا دوديا يسمح بالانتقال من نقطة الى نقطة بعيدة, في كون احادي الابعاد, يجب ان نقوم بحني المكان الى البعد الثاني...وهذا يساعدنا على تشكيل رابط بين النقطتين (انحناء الحبل لربط نقطتين منه مثلا). في المثال الثاني, لكي نقوم بخلق نفق دودي يسمح بالانتقال من نقطة الى نقطة بعيدة بشكل آني, في كون ثنائي أبعاد ... يجب ان نقوم بحني المكان إلى البعد الثالث (حني الورقة إلى البعد الثالث لربط نقطتين), مثال : اسطوانة أو شريط موبيوس.. نريد الآن انشاء نفق دودي في البعد الثالث الذي نعيش فيه, عندها يجب ان نقوم بربط نقطتين بعيدتين من الفضاء, بحيث يمكننا الانتقال بينهما بشكل آني وبخطوة واحدة. نحن لايمكننا حني الفضاء كما نحني الورقة مثلا... لكننا نعرف وسيلة يمكنها حني الفضاء : الجاذبية
الجاذبية تقوم حرفيا (حسب نظرية النسبية) بحني المكان إلى البعد الرابع, لو مثلنا الفضاء بورقة مسطحة (باختزال الابعاد الثالثة في بعدين), فإن الزمن هو خط فوق - تحت ... والابعاد الثلاثة هي سطح الورقة . ونحن نعيش في تلك الورقة, ولا يمكننا الخروج منها للتمشي في البعد الزمني. لكن ارتفاع كتلة جسم معين, و بالتالي ارتفاع قوته الجاذبية, بشكل كبير جدا... يسمح بحني سطح الورقة الى اسفل أو اعلى (في البعد الرابع)... لايمكننا رؤية (أو حتى تخيل) البعد الرابع, لكننا نعرف ان الجاذبية تحني ابعادنا الثلاثة. وحتى لو انتقلنا على طول الانحناء, لن نحس بوجود الانحناء المكاني (تذكر لايمكن للنملات أن تحس بانحناء الجسر حول نفسه). يمكن لهذه الفكرة ان تفسر السبب في تحكم الجاذبية في الزمن ... كلما ارتفعت الجاذبية, كلما تباطئ الزمن ...لماذا ؟

نعود إلى الورقة التي تمثل ابعادنا الثلاثة, لاحظ الشكل جانبه لكي تفهم الفكرة, الجسم الضخم يخلق تقوسا زمكانيا إلى البعد الرابع, بحيث أن ابعادنا الثلاثة مختزلة في الشبكة فقط, لايمكننا الخروج من الشبكة أبدا., ولا يمكننا تخيل البعد العمودي على الشبكة. لكن الشبكة منحنية الى أعلى, ما يخلق تقوسا إلى أسفل, وذاك التقوس يحدث في بعد الزمن (البعد الرابع), وعليه فكلما ازداد التقوس, كلما ازدادت المدة التي يقضيها جسم معين في المرور عبر تلك الحفرة, تأمل الصورة أسفله : المسافة من النقطة A الى النقطة B, هي نفس المسافة من النقطة C الى النقطة D في نظر شخص يعيش في الشبكة... فهو لا يرى بأنه يقطع انحناء الى بعد آخر, وعليه فهو يعتقد انه يقطع نفس المسافة.

 

لكن في حالة C و D هناك انحناء للزمكان, مما يشكل حفرة, وتلك الحفرة بارزة في البعد الرابع, بحيث أن السفر بين النقطتين, يستوجب وقتا أطول من الوقت الذي يمكن أن تقطع فيه المسافة من النقطة A الى النقطة B ... ولهذا السبب فالجاذبية, تجعل الزمكان ينحني الى البعد الزمني, مما يرفع مدة قطع المسافة (عندما نقول مسافة, فإننا نعني حتى اصغر المسافات بين الذرات والجزيئات ... جميع الاحداث و العمليات البيولوجية ستكون أبطأ), لأن المسافة ازدادت في البعد الرابع.
وكما قلت, لخلق نفق دودي في بعد معين, ينبغي حني الزمكان إلى البعد التالي ... ولكي نصنع نفقا دوديا في البعد الثالث, ينبغي حني المكان الى البعد الرابع باستخدام الجاذبية ... كما هو موضح في هذا الشكل.

تجدر الاشارة إلى أنه لا توجد أي مسافة بين المنطقة الصفراء , والمنطقة الزرقاء... وذلك النفق هو نفق آني تماما. لكنه يربط بين نقطتين قد يتطلب قطع المسافة بينهما بالطريقة العادية ملايين السنين. (شاهد مسافة الشعاع الضوئي على اليسار).
وكما قلت من قبل, الشبكة هي الثلاثة ابعاد المكانية التي نعرفها, أما البعد العمودي على الشبكة, فهو البعد الرابع, بعد الزمن.
تجدر الاشارة, إلى أنه كلما اقتربنا من المنطقة الصفراء (او الزرقاء) , إلا وازدادت الجاذبية, و تباطأ معها الزمن... لهذا فيوم واحد في تلك المنطقة, قد يساوي آلاف السنين فيما دونها. لكن بطئ الزمن يؤثر أيضا على العمليات البيولوجية لرائد الفضاء, وعليه فهو لن يتقدم كثيرا في العمر بمروره من النفق الدودي... وفي نفس الوقت, فهو بهذه الطريقة قد قطع مسافة قد تقدر بملايين السنين. وعندما يقطع تلك المسافة الصغيرة جدا, تكون آلاف أو ربما ملايين السنين قد مرت على الارض. نقول هنا أن المسافة تم استثمارها في البعد الرابع, ولهذا فانخفاض في طول المسافة, صاحبه ارتفاع في المسافة على البعد الرابع (الزمن).

تجدر الاشارة أيضا إلى أنه, وكما رأينا من قبل ما يسمى ”شريط موبيوس“ ... وهو كناية عن شريط ثنائي البعد, له صفحة واحدة ... فإن هناك شكلا رياضيا آخر يشبه شريط موبيوس, لكن في الابعاد الثلاثة ...وهو ”بوتقة كلاين“ أو ”قنينة كلاين“ Klein Bottle, أنظر الصورة جانبه.

كما لاحظت من قبل, فشريط موبيوس يصلح ليكون كونا ثنائي بعد, ولكي نصنعه فيجب ان نقوم بليه و حنيه إلى البعد الثالث, لضمان التقاء طرفيه بشكل مقلوب.

اما بوتقة كلاين, فما يميزها, هو أنها تصلح لتكون كونا ثلاثي البعد, لكن لكي يتم صنعها يجب أن نقوم بليها وحنيها الى البعد الرابع, لضمان التقاء طرفيها في البعد الرابع... بمعنى أن المنطقة التي يتقاطع فيها خرطوم قنينة كلاين, موجودة خارج الابعاد الثلاثة الى البعد الرابع. بمعنى آخر, اذا سافرت على مساحة قنينة كلاين, فيسنتهي بك المطاف في نفس المكان (بالضبط كما رأينا مع شريط موبيوس)... لصنع قنينة كلاين, نستعمل شريطي موبيوس , واذا قمت بقطعها من المنتصف, ستحصل على شريطي موبيوس, وهذا ما جعل قنينة كلاين تشد انتباه الرياضيين والفيزيائيين على حد سواء...  لو لاحظتم من قبل, لصنع شريط موبيوس, فإننا نلف الشريط حول نفسه 390 درجة, ثم نجمع الطرفين... نفس الشيء بالنسبة لقنينة كلاين, نلف نهايتي اسطوانة ثلاثية ابعاد, ثم نجمعهما (كما في الفيديو السابق).

تحدثنا في هذه المقالة عن :

- انحناء فضاء أحادي البعد , إلى البعد الثاني, لصنع نفق دودي في كون احادي البعد.

- انحناء فضاء ثنائي البعد, إلى البعد الثالث, لصنع نفق دودي في كون ثنائي الابعاد.

- انحناء فضاء ثلاثي البعد إلى البعد الرابع, لصنع نفق دودي في كون ثلاثي الابعاد

- الزمن ما هو الا تطويل المسافة باتجاه البعد التالي, مع الحفاظ بنفس المسافة على البعد الحالي

- شريط موبيوس صالح ليكون كونا ثنائي بعد, منحن الى البعد الثالث, بحيث يشكل نفقا دوديا يربط بين نهايتيه. - قنينة كلاين صالحة لتكون كونا ثلاثي بعد, منحن الى البعد الرابع, بحيث يشكل نفقا دوديا يربط بين نهايتيها. في الجزء القادم, سنتحدث عن البعد الرابع (بعد الزمن) , والابعاد الخمسة الاخرى وعلاقتها بمتعدد الاكوان. وكل هذا في الفيزياء النظرية.

1 تعليق

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا