ما أعنيه من قبل بأن الوجود هو العدم نفسه. أقصد به هذه الفكرة :

تخيل معي ظلاما في فضاء فارغ، هل نجحت في ذلك؟
تخيل الآن أن الظلام والفضاء غير موجود. أنا متأكد أنك لن تنجح في ذلك

لايمكنك تخيله، الدماغ يعرف الظلام فقط بالنور، ولايمكنك تخيل غيابهما معا, السبب هو أن الحواس ثنائية في عملها : إذا لم يكن هذا, فسيكون هذا. هكذا تطورت أدمغتنا لكي تفهم العالم حولها. وكما أن الحاسوب يفهم فقط 1 أو 0 (ولا يفهم حالة غيابهما معا), كذلك الدماغ يفهم فقط الشيء أو نقيضه...ولايمكنه فهم غيابهما معا. لكن بعض المكفوفين المصابين بالعمى عند الولادة (بسبب ضرر في الدماغ) يعرفون تماما ما معنى غياب الظلام، ولهذا فأنا احسدهم على تلك المعرفة في بعض الأحيان، كما يحق لهم حسدي على رؤية الألوان.

المهم : لايمكنك تخيل حالة عدم وجود فضاء و ظلام ونور. لكن لنفترض أننا نتخيله الآن.

هذا العدم الذي طلبت منك أن تتخيله، والذي لم تستطع تخيله، هو عدم استثنائي جدا، لماذا؟

لأنه رغم أنه بحد ذاته ليس فيه زمن، مكان، ألوان، ضوء، ظلام ...الخ. إلا أنه عبارة عن حاسوب. نعم : إنه آلة تقوم بعمليات حسابية دقيقة. بحيث أن المتغيرات فيها تعمل وتتأثر ببعضها البعض، ثم تنتج منها متغيرات أخرى، وهكذا. كل هذا يحدث في عدم ليس فيه شيء.

المدهش في هذا العدم هو أن تلك المتغيرات, تشكلت هنا وهناك وتفاعلت في اللازمن, واللامكان. لتنشأ منها متغيرات أخرى معقدة جدا، والتي تتفاعل أيضا فيما بينها (الدماغ).

هذه المتغيرات الرياضية في العدم، نتجت عنها حالة من الوعي، هذه الشرارة الواعية، هي التي قلبت العدم حولها كله الى وجود، فأصبح لبعض المتغيرات شكل وصورة (صخور، اشجار...الخ)، وأصبح لها أصوات، وبشكل عام للكون شكل.

الوجود الشكلي إذن، ليس حقيقة متأصلة في الكون. بل هو حقيقة نسبية نشأت عند نشوء أول تجربة ذاتية (وعي). تداخلت المتغيرات الرياضية، فظهرت من العدم أول نافذة ترى منها المتغيرات النور.

" Yehi Or = Let there be light".

ورغم أني قمت باستعارة تلك الجملة من التوراة، إلا أنها خاطئة في السياق الذي ذكرتها فيها التوراة، فهي تقول أن النور خُلق مباشرة بعد خلق الكون.

بينما الحقيقة هي أن الضوء هو الذي نشأ في مرحلة بعد نشوء الكون. أما النور (التجربة الواعية للضوء) فلم ينشأ إلا بعد نشوء أول دماغ و نظام رؤية. لأن الضوء هو الطبيعة المتأصلة في تلك المتغيرات (الفوتونات)، بينما النور هو تجربة تلك المتغيرات من طرف نظام واع، لهذا فالضوء سابق للنور. ولهذا أيضا : النور ليس كلمة علمية, الضوء هو الكلمة العلمية هنا.

الوجود الأول.. كان عبارة عن عدم، لكنه ليس عدما مطلقا، بل هو عدم نسبي فحسب. أي أن الوجود لم يكن موجودا كما نعرفه، لكنه كان موجودا على شكل عدم.

وهذا ما عنيته بأن الوجود عدم أيضا.
بعد تفكير طويل في الموضوع, وجدت أنه ربما (مجرد افتراض), الوعي هو مجرد عملية "تذكر" أو "معرفة".

وعليه فلا فرق تقني بين تذكر وجه شخص تعرفه, وبين رؤيتك له مباشرة. الفرق هنا ليس كيفيا, بل كميا فحسب.

بمعنى أنك عندما تراه, فأنت لاتراه , بل تتذكره بالتحفيز المباشر.

الجميل هنا أنه فلسفيا وعمليا : التذكر يسهل تفسيره أكثر من "الرؤية". لأننا لا نعرف مامعنى "رؤية" . بينما نعرف ما معنى "ذاكرة", لأن من الجمادات ما له ذاكرة وليس له رؤية (كالحاسوب مثلا).

كيف نعرف أن الرؤية هي مجرد عملية تذكر؟

1 - انظر الى مصباح , هذه رؤية ..اليس كذلك.
2 - اغمض عينك, سترى اثر ما رأيته من قبل..بدون لون.
3 - مع مرور الوقت سيتلاشى الاثر.
4 - ورغم انه تلاشى, فأنت مازلت "تعرفه". مازلت "تتذكره".
5- حاول تذكره من جديد, سترى انك الان لا تراه اطلاقا (كما تعرف انت الرؤية) , لكنك تعرف كيف يبدو.

هذا يعني أن الرؤية في الخطوة الاولى, من نفس طبيعة "الخيال" في الخطوة 2, وهو أيضا يتلاشى في الذاكرة في الخطوة 3, وبعدها تعرفه في الخطوة 4. ويمكنك تذكره في الخطوة 5.

معنى هذا أن الرؤية ماهي الا تذكر أو "معرفة" لشيء تم تخزينه من قبل عدة مرات. واللون هو تذكر شيء في نفس الوقت الذي يتم فيه التحفيز بنفس اطوال الموجات.

هذا ما يظهر لي. طبعا لم احل معضلة الوعي بشكل كامل, لكن النظر الى الموضوع بهذه الطريقة يجعل الامر يبدو أقل تعقيدا.

على مستوى الدماغ, الدماغ لا يرى الشخص ولايرسمه في الداخل, كل ما في الامر أن نفس اطوال الموجات تؤدي الى تحفيز علاقات شبكات عصبونية تشكلت من قبل عند رؤيته للمرة الاولى. وهذا التحفيز يجعل النظام كله "يتذكر" أنه رأى الشخص من قبل. ماينتج عنه وهم الذاكرة والمعرفة.

=================================

اذا كان هناك عضو آخر بعد الدماغ يستحق صفة التفكير, فهو المعدة (وبالضبط : الأمعاء).

إنها تشتمل على 100 مليون خلية عصبية. ومع ذلك فلا أحد يقول أن المعدة هي مركز المشاعر والعقائد ... لأنها ليست ذات خصوصية عند الناس. الانسان القديم كان يلمس صدره فيسمع دقات قلبه, وهو الشيء الوحيد الذي نحس بعمله في الداخل. لهذا السبب كان من المنطقي أن يدعي البشر أنه مركز المشاعر, والعواطف (والروح ايضا).

في الواقع : القلب ليس فيه إلا 40 ألف خلية عصبية. وهذا العدد غير صالح حتى لتخزين ابسط المعلومات والذاكرة. كل ما تصلح له 40 الف خلية عصبية هو تنظيم عمل القلب وتنسيقه مع الدماغ, فقط لاغير. واذا ادعى أحدكم أن القلب مركز التفكير او المشاعر, فليخبرنا : كيف ذلك؟

من جهة اخرى الدماغ هو مركز العواطف , التفكير, المعتقدات وغيرها : 100 مليار خلية عصبية وأكثر.

أنت لا تحب ولا تكره بقلبك. بل تكره وتحب بدماغك. هذه هي الحقيقة العلمية.

أما شهادات المرضى بعد عمليات زراعة القلب, فهي مجرد شهادات. عندما تجد نفسك أمام شهادات لأشخاص بحدوث شيء ما لهم (كتجربة الاقتراب من الموت, او عمليات جراحة القلب). اطرح هذه الاسئلة على نفسك :

1. هل ما يقوله الاشخاص في شهاداتهم , يحدث لجميع البشر؟ أم انه يحدث لبعض البشر؟
2. لأجيب عن السؤال الاول, ابحث عن اشخاص لم يحدث لديهم اي تغيير في ميولهم بعد زراعة القلب.
3. اذا وجدت شخصا واحدا فقط, شخصا واحدا فقط (من بين مليون شخص). عندها فقط يمكنني ان اقول ان الادعاء خاطئ, لانه ليس قاعدة.

من جهة اخرى اذا قال شخص ما ان العين اداة للرؤية, اذا وجدت شخصا يرى بدون عينين, فعندها ادعاؤنا خاطئ. لكنه لايوجد شخص يرى بدون عينين.

لهذا هل القلب مركز العواطف والتفكير؟ لا ... الدماغ هو مركز العقل والفكر والمشاعر وكل شيء. القلب قد يؤثر في الدماغ, لكنه لا يصدر اي مشاعر أو احاسيس او معتقدات. 40 الف خلية ليست شيئا بمقاييس الذكاء والعواطف, ولا ينفع ان نقوم بتبسيط هذه الاشياء المعقدة حتى نرضي انفسنا بأن ما يقوله القدماء صحيح.

ثم لماذا هذا الاندفاع للادعاء بان القلب مركز الاحاسيس فقط لأن فيه 40 الف خلية عصبية؟ لماذا لا ندعي نفس الشيء بالنسبة للمعدة مثلا؟ انها احق باللقب (وان كان خاطئا) , فهي تتكون مما يمكن تشبيهه ثاني تجمع عصبي في الجسم.

فكر أولا : اين ستخزن تلك العواطف والمشاعر والافكار؟ في عدد ضئيل من الخلايا العصبية؟ مع انعدام تام للخلايا الدماغية؟؟

سوف أعتنق مذهبا, وسأسميه مذهب المعدة : أنا "معدي" أؤمن بالمعدة, وأؤمن بأنها مركز التفكير , لأن فيها 100 مليون خلية عصبية . حسب العلم الحديث.

هذا غير منطقي اطلاقا. المعدة والامعاء تتكون من 100 مليون خلية عصبية لأنها تنظم عملها. فقط لاغير.

1 تعليق

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا