الإهتمام بالسياسة، والمجتمع، و"نحن الشعب" و "النضال"، و "أين المسؤولون"، الخ... هو أمر يسبب الإكتئاب حقا.

المعنى الحقيقي لكلمة "الشعب" هو كالتالي: الشعب هم الأغلبية التي يتفشى فيها الجهل وقلة الحيلة والكسل, والتي تنتظر من الآخرين أن يفعلوا شيئا. هذا هو الشعب.

يتوقف الناس عن أن يكونوا "شعبا" عندما تحدث ثورة كبيرة (كالثورة الفرنسية)، ما يفرز من الشعب ذي الأغلبية الجاهلة، ما يمكن أن نسميه "نخبا مثقفة"، بمعنى أن ما كان يسمى "شعبا" أصبح علماء وأدباء ومفكرين، وحتى من لم يكن منهم عالما أو فيلسوفا أو مفكرا، تجده على الأقل يقرأ ويدرس ولاينتظر من الآخرين أن يفعلوا شيئا.

لا أريد أن أكون من الشعب، أريد أن أكون شخصا مستقلا، ينظر إلى المستقبل بعيدا عن المشاكل السياسية والاجتماعية.

لأني أعرف أنه لا أحد سيفعل شيئا، إن لم أفعله بنفسي. ولا أحد سيحسن تعليمي إن لم أفعل ذلك بنفسي، ولا أحس سيحس ظروفي المعيشية إن لم أفعل ذلك بنفسي.
هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أتجنب الحديث في السياسة والمجتمع. ليس لأني لا أهتم بالحلول، بل لأني لا أهتم بالموضوع ولا أجد فيه ما يثير الفضول أصلا.

إنه موضوع ممل ومستهلك، منذ أن تذكرت نفسي وأنا أسمع الخطابات وأرى الناس يتحدثون في كل مكان.
عندما أستقل الحافلة أو أجلس مكان عام, يبدأ شخص (لا يعرف إسمك) في الحديث (دون إستئذانك) عن "المسؤولين"، و "المغاربة هكذا" و "أوروبا تفعل" و "يأكلون أموال الشعب"...الخ.

هذا أمر مزعج لأنه لا يضيف شيئا، أنا أعلم أنه هناك من يأكل أموال الشعب، وأعرف أن هناك من لا يتحمل المسؤولية. لكن هلا تحدثت في شيئ آخر مختلف؟
بماذا أفدت نفسك؟ متى آخر مرة قرأت كتابا علميا ؟
لا تذكر؟

إذن , اسكت واصبر، وأبشر لأنك من "الشعب".

لنفترض أنك مهتم بالسياسة ومشاكل المجتمع وتتابع أخبارها كل يوم.

- إذا لم تنضم لحزب سياسي أو تنخرط في حركة نضالية نفترض أنك مهتم بالسياسة ومشاكل المجتمع وتتابع أخبارها كل يوم.

- إذا لم تنضم لحزب سياسي أو تنخرط في حركة نضالية، عندها فكل اهتمامك بالسياسة ليس له أي فائدة. ما عدا مشاركتك في الانتخابات، هذه المشاركة التي ثبت (لي على الاقل) أنها بدون فائدة أيضا.

- أما اذا قررت أن تنضم لحزب سياسي أو تقوم بتزعم حركة نضالية, فهنا أنت أصبحت شخصا فاعلا, ولم تعد من "الشعب". بل أصبحت شخصا من النخبة التي تحاول التغيير, عوض التذمر.

- ستصبح في نظر "الشعب" المنقذ الذي يجب أن يتشبثوا به.

- المشكلة هنا, أنه عندما تنجح في عملك السياسي. وتتقلد منصبا وزاريا أو حتى رئاسيا. ستجد أن "المشاكل" التي يجب أن تحلها تخص ملايين البشر، وليس فقط 100 أو 1000 لأو حتى مليون شخص.

- إن كنت نسبيا في تفكيرك, فستعلم أن ارضاء 100 شخص شبه مستحيل, وعليه فإن إرضاء ملايين الاشخاص أكثر استحالة بكثير.

- لهذا, فأنت الذي كنت تُعتبر المنقذ لملايين الأشخاص, أصبح الملايين من البشر يكرهونك, ويعتبرونك مجرد محتال. لأنك لم "تستطع" أن تحل المشاكل كلها.
- الأغلبية من الشعب (لأن أغلبهم جاهل)، يعتقدون دائما أنه يمكن حل المشاكل ببضعة أشخاص يتقلدون مناصب سياسية في البلد. لايمكن ببساطة للملايين من البشر أن يعرفوا أن الحل هو أن يصلحوا أنفسهم وحياتهم اليومية أولا.

- لهذا فنفس القصة تتكرر عدة مرات, ملاك مناضل يتلقد منصبا سياسيا, ثم يصبح الشيطان ... ثم يأتي ملاك آخر لقتل الشيطان، ثم يصبح الملاك الجديد شيطانا، ثم يتحول إلى شيطان بدوره، وهكذا تستمر الحياة.

- يجب أن نعرف أن الحياة تصبح أفضل عندما ينطلق كل فرد من نفسه ومحيطه ... وليس عندما نقرأ الجرائد ونتذمر لأن الأقلية لم يقوموا بالواجب.

- ما يحدث لأغلب السياسيين هو كالتالي :

1. يكون شخصا صادقا في رغبته, في أن يغير الواقع للأفضل.
2. ينجح
3. يجد الأمر الواقع : الأمر الواقع دائما هو أن الأمور أكبر من أن يصلحها هو كما كان يعتقد. سيجد أشخاصا آخريين لايشاركونه نفس الآراء، سيجد ضغوطات من رؤسائه، سيجد الفساد أكثر من أن يصلحه لوحده، سيجد ضغوطا خارجية وداخلية، وكل هذا والشعب ينتظره أن يفعل شيئا.
4. طبعا، سيفعل شيئا، لكن ما فعله ضئيل جدا مقارنة مع أحلامه قبل توليه المنصب.
5. ما يحدث للسياسيين هنا، هو أنهم يفكرون في اصلاح أكبر ما يستطيعون اصلاحه.
6. انطلاقا من 5، السياسي لا يستطيع اصلاح حياة الملايين من البشر، لماذا لا يفعل أفضل شيء يمكنه فعله؟ اصلاح حياة المحيطين به اولا.
7. يحل السياسي مشاكل اصدقائه، عائلته، وحتى جيرانه في حارته القديمة. هذا أكثر عمل خير يمكن لشخص واحد أن يفعله.
8. طبعا، تبقى مشاكل الملايين معلقة، لأن الشخص الواحد عاجز تماما عن حلها، قد يصلح شيئا لكنه لن يصلح كل شيء.
9. وفي محاولة أخيرة لاصلاح أكثر شيء يمكن اصلاحه، يلفظ أنفاسه الأخيرة من على منصبه، باصلاح حياته الشخصية. هو يعلم أن مشاكل الملايين لن تُحل, وهو يعلم أنه (وهو الذي كان ملاكا قبل توليه المنصب) أصبح شيطانا يكرهه الجميع.
10. ورغم أنه لم يسرق شيئا من قبل, إلا أنه يسمع دائما تهما من الآخرين بأنه سرق خزينة الدولة.
11. لهذا, سيقول هذا الشخص " أنا شيطان، أنا شيطان، سواء فعلت الخير أو الشر...لماذا إذن لا أهتم بحياتي الشخصية، وأكون عند سوء ظن الشعب".
12. في النهاية لابد أن "يسرق شيئا"، على الأقل لكي يضمن حياته الشخصية بعدما يترك منصبه.

لهذا السبب أقول : الاهتمام بالسياسة لايفيد في شيء، مشاكل الملايين لن تحل بهذه السهولة. يجب على كل شخص أن يفكر في تحسين محيطه.

والتذمر لايفيد أيضا.

هذه كانت دورة حياة السياسي

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا