بالنسبة لمن يتسائل : كيف يمكن للمعلومات الجينية ان تضاف إلى الحمض النووي؟ كيف تعمل الطفرات على اضافة المعلومات الى الحمض النووي؟ هل يمكن للعشوائية أن تضيف معلومات وظيفية ؟

كيف يمكن أن ينشأ جين جديد بتشفير مختلف؟ أليس ذلك شيئا خارقا ؟

الاجابة : عندما تعرف أنواع الطفرات، يصبح الامر عاديا تماما. كنت قد تحدثت عن الموضوع من قبل, لكن هناك من لايزال يسألني عنه.

نفترض أن لدينا جينا فيه 4 أحرف (مجرد مثال). ACCG

ولنفترض أن ذلك الجين يقوم بوظيفة معينة.

تتكاثر الكائنات في الوسط، وتنقل المعلومات الجينية إلى أبنائها.

كلما كان عدد الجينات صغيرا، كلما ارتفع احتمال حدوث طفرة عليها.

هناك نوع من الطفرات يؤدي الى نسخ جين معين مرتين او اكثر عن طريق الخطأ , بهذه الطريقة.

ACCG - ACCG

الآن لدينا جينان يقومان بالتشفير لنفس الصفة الوراثية. طبعا, هنا لن نرى أي اختلاف.

وقد يتم النسخ ثلاث مرات عن طريق الخطأ , هكذا :

ACCG - ACCG - ACCG

بهذا الطريقة, انتقل الكائن من 4 معلومات, الى 12 معلومة جينية, ورغم ان المعلومات متشابهة, إلا أن السعة التخزينية للحمض النووي اصبحت اكبر.

مثل هذه الطفرات هي التي تجعل الكائنات تتطور من اشكال بدائية (وحيدات الخلية), الى اشكال معقدة (الثديات مثلا).

طبعا, مجرد وجود معلومة جينية يمكنها النسخ, ويمكن ان تحدث عليها طفرات, كاف تماما لكي تبدأ عملية التطور بالانتخاب الطبيعي.

لكن كيف تظهر الصفات الجديدة على الكائنات الحية؟

الاجابة, بنوع آخر من الطفرات : هذا النوع لايقوم بنسخ الجين اكثر من مرة, بل يقوم بتغيير حرف جيني.

مثلا, قد تتغير احرف الجين على اليمين, بينما تبقى الجينات على اليسار سليمة.

ACCG - ACCG - ACCT

هنا, أصبح لدينا حمض نووي سعته التخزينية 12 حرف, وفيه جينان مختلفان. قد يكون الجين الجديد ACCT (الذي تغير حرفه من G الى T) يقوم بوظيفة معينة, وقد لايكون له وظيفة.

لكن رغم كل شيء, وظيفة الجين الذي لاوظيفة له , هي أنه موجود, وأنه يوفر سعة تخزينية للحمض النووي.

يمكنك تشبيه هذه الجينات الغير وظيفية, بذاكرة فارغة لقرص صلب, هي لاتقوم بأي وظيفة. لكن وظيفتها الاساسية هي استقبال معلومات جديدة.

يمكنك تخيل الحمض النووي عبارة عن قرص صلب كان عبارة عن بضعة بيتات من الذاكرة.

لكن البيتات Bits يمكنها ان تُنسخ لتصبح أكثر في العدد. ونسخ كل بيت اكثر من مرة, معناه أن البت الاصلي يحافظ على معلوماته ووظيفته, بينما البت الثاني ليس له وظيفة اضافية ... إلا أنه يوفر مساحة اكثر لتحدث عليها طفرات تؤدي الى وظائف جديدة.

وعندما تحدث طفرة على البتات المنسوخة. فهذا يعني أن البتات الاصلية تم الحفاظ على وظيفتها, بينما اضيفت بتات جديدة (وهي البتات القديمة التي تغيرت بفعل الطفرة).

البتات الجديدة (ACCT في المثال فوق), قد يكون لها وظيفة مختلفة عن البتات الاصلية , وقد لا تكون لها اي وظيفة جديدة. لاحظ معي :

- من الممكن ان تكون لها وظيفة مفيدة, اذا كانت تضيف ميزة تطورية مفيدة في وسط احيائي معين.
- هذا يؤدي الى ارتفاع احتمالات نجاة الكائن, وبالتالي ارتفاع احتمالات نقل الصفة التطورية ACCT

- من الممكن أيضا أن تكون مفيدة في وسط احيائي 1, بينما ضارة في وسط احيائي 2 (مثلا اذا كانت تجعل لون السحلية اخضر, فالميزة مفيدة في غابة خضراء, بينما ضارة في صحراء يطغى عليها اللون الاصفر). هنا , فان الصفة ACCT التي تجعل الجلد اخضر ستنقرض اذا هاجرت السحالي الى الصحراء, او اذا تعرض الوسط 1 الى التصحر... هذا هو ما نسميه "انقراض الصفة".

- من الممكن ايضا أن تكون الصفة ACCT ضارة أو محايدة في الوسط 1, وهذا سيجعلها تنقرض بعد ملايين السنين. لكن بمجرد هجرة الكائنات الى وسط 2 تكون فيه الصفة مفيدة, عندها تبدأ في الانتشار مرة اخرى.

- من الممكن أيضا ألا تؤدي الصفة أي وظيفة سواء في الوسط 1 او الوسط 2. لكن قد تحدث طفرة اخرى على الحمض النووي في المثال فوق

ACCG - ACCG - ACCT

بحيث تصبح الجينات مقسمة بطريقة مختلفة, هكذا مثلا :

ACCG - ACC - GACCT

هذه الطفرة تسمى Frameshift Mutation (طفرة تغيير الاطار), بحيث أن الكودونات التي تقسم الحمض النووي الى جينات, تغيرت اماكنها. فأصبحت نفس المعلومة الجينية تُقسم بطريقة مختلفة. لو لاحظت لدينا نفس الاحرف, لكن التقسيم مختلف.

هنا , بعدما لم يكن ل ACCT أي دور,إلا أنه أخذ الحرف G من الجين الذي قبله, بالتالي أصبح لدينا جين آخر مختلف GACCT , قد يضيف وظيفة جديدة.

لاحظ أيضا أنه اصبح لدينا جين آخر مختلف ACC , بعدما كان لدينا ACCG

هنا أيضا, رغم أن السعة التخزينية مازالت ثابتة (12 حرف), إلا أن عدد الجينات اصبح 3 (كان العدد 2 , مع تكرار ACCG).

لهذا , عندما تتساءل مرة أخرى عن كيفية نشوء صفات جديدة, فتأكد أولا أنك تفهم ماهي الطفرات وماهو الانتخاب الطبيعي.

سنجيب إذن على السؤال : هل يمكن للعشوائية أن تضيف المعلومات الجينية في الحمض النووي؟

الاجابة : ما تراه فوق ليس عشوائيا بالكامل .

- الطفرة بحد ذاتها تحدث بشكل عشوائي.
- لكن انتخابها (حسب الوسط, المفترسين, احتمال نجاتها, احتمال انقراضها...الخ), لايمكن وصفه بالعشوائية, لأنه يخضع لعوامل طبيعية.

ما يحدث اذن هو أن لدينا أليات تقوم بانتخاب الاحرف, وآليات يقوم بانتاج الاحرف بشكل عشوائي. الاليات التي تنتج الاحرف هي آليات عشوائية. والآليات التي تقوم باختيار الاحرف وانتخابها هي آليات غير عشوائية اطلاقا.

لهذا فالتطور ليس عملية عشوائية, بل هو عملية متكاملة من جميع الجوانب.

أضيف على هذا أن الحمض النووي أداة فعالة ليس فقط لتخزين المعلومات, بل انتاج سعة تخزينية اضافية, وبالتالي انتاج معلومات جينية جديدة لم تكن موجودة من قبل.

الحمض النووي مصنع للمعلومات, إنه مصنع للتعقيد.

الطريقة التي يعمل بها :

- وجود معلومة بسيطة.
- نسخ المعلومة مرتين أو اكثر (اضافة سعة تخزينية)
- التغيير على احد (او جميع) نُسَخ المعلومة (طفرة عشوائية)
- الطبيعة والانتخاب الطبيعي تشكل ضغطا على المعلومة الجديدة. (تقرير مصير الطفرة)
- تنقرض المعلومة 1 او تنتشر.
- يتم نسخ المعلومة كليا أو جزئيا مرتين أو أكثر. (اضافة سعة تخزينية)
- التغيير على احد (او جميع) نسخ المعلومة الجديدة (طفرة عشوائية).
- الطبيعة والانتخاب الطبيعي تشكل ضغطا على المعلومة .
- تنقرض المعلومة 2 الجديدة او تنتشر.
- تستمر العملية حتى نشوء كائنات معقدة كالبشر.

الحمض النووي اذن هو مصنع معلوماتي. والتطور هو عملية غير عشوائية تؤدي في النهاية الى نشوء التعقيد.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا