هناك عدة طُرق تنظر بها الفلسفات المختلفة (والعلم أيضا) إلى الوعي بصفة عامة، هذه أشهر ثلاثة :

1. الدين يقول أن الروح داخل الجسد، وهي مستقلة عنه، وستغادره بعد الموت.

2. العلم يقول أن الجسد نفسه (الدماغ) هو الذي يولد نشاطه وهما بوجود "أنا" عاقلة. وهناك بعض الفلسفات التي تقول أن الوعي من خصائص المادة نفسها، وليست من خصائص عالم آخر. وتحتج بذلك بقولها أننا لا نعرف ماهي المادة، فكيف نحكم عليها بأنها لا تستطيع أن تولد الوعي بعد تجاوزها لدرجة معينة من التعقيد (كالدماغ).

3. الفكرة الثالثة هي أقل شهرة من الأفكار السابقة : تقول بعض الفلسفات أن الوعي هو الأصل في الوجود، وأن الجسد والكون كله مجرد وهم يوجد داخل هذا الوعي نفسه.

تلخيص الأفكار السابقة :

1. الوعي داخل الجسد، وسيغادره الى عالم اخر بعد الموت. مثال بسيط : أنت تقود سيارة وتخرج منها عندما تصل إلى وجهتك.

2. الوعي هو نتائج الجسد نفسه، أي أنه خاصية مادية بحثة. مثال بسيط : اللعبة في الحاسوب هي نفسها متولدة عن عمل الحاسوب : إذا تعطل الحاسوب لن تطير اللعبة بل ستتلاشى مع البرامج الأخرى.

3. الجسد والكون هما اللذان يتواجدان داخل الوعي. والوعي يتوهم الكون حوله، ويتوهم أنه داخل جسد معين (كما في لعبة واقع افتراضي : أنت تلعب، تجري، وترى العالم وجسدك معا. وتحس بهما، لكنك في الواقع (الوعي) أكثر أصالة من العالم الافتراضي).

لو لاحظتم فالفكرة الثالثة (في الهندوسية والبوذية مثلا) هي عكس الفكرة الأولى تماما. لأن الأولى تقول أن الروح هي التي توجد داخل الجسد وتتحكم فيه. بينما الثالثة تقول أن الجسد هو الذي يوجد داخل الوعي.

بمعنى أن الأديان الإبراهيمية تقول أن الأصل هو العالم المادي، والروح يمكنها أن تهبط اليه وتصعد إلى العالم الروحي.

بينما الأديان الشرقية الروحانية تقول أن الأصل هو العالم الروحي (أو الوعي)، وأن العالم المادي ماهو إلا نتاج لما يحدث في العالم الروحاني (الوعي).

هنا نجدها تقريبا تنقسم لقسمين المذهب المادي في مقابل المذهب الثنائي , الأول يعتبر أن الوعي خاصية مادية بحتة, بينما الثاني يعتبره منفصلا عن الجسد (الروح مثلا).

لماذا يُهاجم بعض الفلاسفة الثنائيين المذهب المادي عندما يتعلق الأمر بتفسير الوعي؟

الحقيقة أن هناك خطأ منطقيا في هجومهم على المادية, انطلاقا من عدم قدرتها الكاملة على تفسير التجارب الذاتية, بسبب قدرتها المقتصرة على تفسير التجارب الموضوعية.

يمكنني القول أن هناك ثلاثة حجج ابستيمية (معرفية) ييستند إليها الفلاسفة الثنائيون (أمثال ديكارت, وهم من يقول بثنائية الجسم والوعي وانفصالهما) يقولون أن الوعي ليس شيئا ماديا, لكنه منفصل عن الجسد (الروح مثلا). هذه بعض الحجج التي يقترحونها :

1. حجة التفسير
2. حجة المعرفة
3. حجة المعقولية.

سوف نتطرق إلى كل حجة من هذه الحجج , وسنبين لماذا هي حجج لا تثبت شيئا في الواقع.

1. حجة التفسير:
----------------

يقول الثنائيون Dualists أن الوعي منفصل عن مادة الجسد, لأنه من المستحيل تفسير الوعي بعمل الجسد , مثلا : يستحيل تفسير نشوء التجربة الذاتية الواعية (الأنا) , بالسيالات العصبية التي تعمل في الدماغ. كما أنه يستحيل تفسير حدوث الألوان , بالشبكات العصبونية. هذه تسمى "حجة التفسير". أي أنهم يرجعون إلى استحالة تفسير الوعي بالمادة , للقول أنهما منفصلان.

يمكن تلخيص هذه الحجة في هذه النقاط :

- لدينا المادة تفسر طريقة عمل نظام الوعي (الدماغ)
- لكن المادة لا تفسر الوعي نفسه
- اذن المادة لايمكنها ان تحمل تفسيرا للوعي.
- اذن الوعي غير مادي.

2. حجة المعرفة
----------------

يقولون أيضا أنه , اذا كان لدينا عالم اعصاب يعرف كل شيء عن الدماغ, والخلايا العصبية, ويعرف كل صغيرة وكبيرة في النظام كله.

واذا كان عالم الاعصاب هذا مصابا بعمى الالوان, بحيث لايعرف كيف يبدو اللون الأحمر. فهل كان بالامكان معرفة كيف يبدو هذا اللون انطلاقا من مراقبة عمل الدماغ؟

هذه تسمى "حجة المعرفة" ... أي أنهم يرجعون إلى استحالة معرفة حالة الوعي انطلاقا من تشريح الدماغ المادي نفسه.

يمكن تلخيص هذه الحجة في هذه النقاط :

- لدينا : معرفة طريقة عمل المادة لايعني بالضرورة معرفة طريقة عمل الوعي.
- اذن الوعي غير مادي.
- اذن المادية مذهب خاطئ.

3. حجة المعقولية
-----------------

هذه حجة ابستيمية لها علاقة بفرع الميتافيزيقا.

يقول الثنائيون أيضا أنه, اذا كان بالامكان تصور عالم تعيش فيه اجساد الزومبي الفلسفي, بحيث أنها تعمل بطريقة مشابهة تماما لعمل جسم الانسان, بنفس الادمغة, ونفس السيالات العصبية. لكن هذه الزومبيات ليس لديها وعي.

فهذا يعني أن مثل هذا العالم ممكن و معقول تماما, وهذا يعني أنه بما أن من الممكن تصور نفس المادة بنفس التعقيد لكن بدون وعي, فنستنتج أن الوعي ليس لها علاقة بالمادة.

هذه تسمى "الحجة المعقولية". أي أنهم يرجعون إلى معقولية وجود فكرة الزومبي الفلسفي (كائنات حية وبشر بدون وعي), لكي ينفوا العلاقة بين المادة والوعي.
______

الملاحظ من هذه الحجج الابستيمية (المعرفية) هو أنها جميعا تنطلق من مسلمة ذات طابع ابستيمولوجي, الى استنتاج ذو طابع انطولوجي.

إنهم ينطلقون من مشاكل معرفية (ابستيمولوجية) :

- استحالة معرفة حالة الوعي انطلاقا من المادة.
- استحالة تفسير الوعي والتجربة الواعية بالمادة.
- معقولية تصور عالم يعمل بنفس طريقة عالمنا, لكن ببشر لهم ادمغة وجسد بدون وعي. (زومبي).

لكي يستنتجوا في النهاية أن المشكل مشكل انطولوجي , وجودي.

- لا توجد علاقة بين الوعي والمادة.

هل رأيتم المشكلة الفلسفية هنا؟ هل رأيتم المغالطة التي يسقط فيها الثنائيون؟

سوف أعطي مثالا :

أنا لا اعرف كيف انطلق من A الى B ( مشكلة معرفية Epistemological)
وهذا يعني أنه لا توجد طريق من A الى B (مشكلة وجودية Ontological)

هذه هي المشكلة ببساطة. لايمكن الانتقال من بداية في فرع "فلسفة المعرفة" , الى استنتاج في فرع "علم الوجود" الذي ينتمي الى فرع آخر في الفلسفة , وهو "الميتافيزيقا". لايمكن ذلك.

لأن فلسفة المعرفة تختص بما نعرفه وما لانعرفه, وكيف نعرف ما لانعرفه...فقط لاغير.
بينما الميتافيزيقا (وبالاخص الانطولوجيا) , تختص بالموجودات فحسب.

لا يمكن نفي وجود مالا نعرفه, ببساطة لأننا لا نعرفه. بل نقوم بذلك بطريقة تجريبية امبريقية Empirical, أو بطريقة الاستدلال البديهي A priori .

لكن هل يمكن القيام بالعكس؟ هل يمكن نفي الثنائية (ثنائية الجسم والوعي) , أم أن ذلك ممكن فلسفيا ومنطقيا؟

في الواقع, لايمكن القيام بذلك أيضا. لايمكن منطقيا نفي وجود الوعي بشكل منفصل عن الدماغ. لكن هناك وجهة نظر مختلفة الى الموضوع من منطلق تجريبي علمي.

- تحفيز مناطق الدماغ المختلفة قد يخلق هلاوس تبدو واقعية جدا.
- ما يعني أن تحفيز المادة يخلق لدى الشخص تجارب واقعية ذاتية.
- ما يعني أيضا أن المادة تؤثر على الوعي والتجارب الذاتية.
- ما يعني أن الاخيرة على الاغلب تنشأ من الاولى.
- وهذا أيضا يمكن أيضا أن يعني أن المادة تصنع التجربة الواعية, رغم أنه لايمكن تفسير الكيفية بطريقة موضوعية.

فمثلا يمكن تحفيز الدماغ بالكهرباء, لإنتاج حالة رؤية اللون الاحمر (رغم عدم وجوده) , هذا يعني أنه يمكننا خلق حالة من الوعي بتحفيز الدماغ, او بتغيير المادة بعبارة اخرى. ما يجعلنا نرجح المادية على الثنائية. لأنه باستخدام موس اوكام, يمكننا القول أن الثنائية افتراض اعقد من المادية نفسها.

حجتنا في ذلك ابتداء, هي اننا لا نعرف المادة بشكل كامل بعد, ولايمكننا القول أن نشوء الوعي منها مستحيل. وعدم معرفتنا بها لايجعلنا ماديين 100 بالمئة, بل يجعلنا متشككين في الثنائية والمادية على حد سواء, بترجيح للمادية.

هناك حالات طبية تثبت ان الوعي على الارجح له علاقة بالدماغ نفسه (كمنقسم الدماغ split-brain مثلا). لكن هذا موضوع اخر.

عموما , ما اردته في هذا الموضوع هو الحديث عن المغالطة التي يسقط فيها الثنائيون.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا