كتوضيح في بداية المقال لكي لا يختلط الحابل بالنابل لمن لم يسبق وتعاملوا مع بعض المصطلحات المعتمدة في الأوساط العلمي
مصطلح "الخلقييون" : لا علاقة له بالإيمان بالعقائد الدينية، ولكن يطلق على من يؤمن برواية التصميم الذكي في الأوساط العلمية

من أكثر ما لاكه الخلقيون هو أن تعقيد المادة الحية غير قابل للإختزال، وأن الكائنات لايمكن أن تكون أبسط مما هي عليه اليوم، لأن أي تبسيط لها قد يُفقدها وظيفة معينة.

ثم يبدؤون في إعطاء أمثلة من الحياة اليومية، كالطائرات، والمصاعد، والحواسيب. ضاربين كل ما نعرفه عن الكائن الحي (والفرق بينه وبين آلة صناعية) عرض الحائط.

سوف أتحدث عن المشكلة في هذه الرؤية :

- المادة الصناعية هي مادة تركيبية. لكي نصنع الحاسوب فيجب أن نصنع القطع الصغيرة (الترانزيستورات، المقاومات، المعالجات، الذاكرة، الشاشة، المفاتيح...الخ), ثم نقوم بتركيبها باستخدام البراغي، الملحمات..الخ.
وأي إدارة للبراغي، وأي تركيب للدارات، وأي استخدام للملحمات يحتاج كائنا ذكيا كالانسان.

- المادة الحية ليست مادة تركيبية، بل هي مادة نِمائية، وهذا ما غفل عنه الذين يلعبون بورقة "التعقيد غير القابل للاختزال". ما معنى نمائية؟

معناه أنه لايتم صنع القلب، وصنع الرئتين، وصنع الدماغ، وصنع الكلي والاطراف، والمعدة...الخ. ثم جمعها : هذا الامر سيحتاج كائنا ذكيا لكي يفعل ذلك.
لكنها ليست كذلك؟

المادة الحية تنمو، ولا يتم تركيبها. بل إن تركيبها مستحيل أصلا لأنه لايمكن أن نحتفظ بحياة عضو معين، إلا بوجود باقي الأعضاء. على خلاف المواد الصناعية (كالحاسوب)، والتي يمكن أن نفككها ونركبها بدون أن يؤثر ذلك عليها.

المادة الصناعية إذن هي مادة يمكننا تفكيكها، لكن تركيبها يحتاج الى ذكاء قادر على التعامل مع الأدوات.

المادة الحية هي مادة نمائية، تنمو من شكل بسيط إلى شكل معقد. وتطور الاعضاء المختلفة وتعقيدها يتم بالتنسيق مع تعقيد الأعضاء الاخرى.

معنى هذا أن المادة الحية اختزالية تماما. لأن ما يغفل عنه الخلقيون هو التالي :

- المادة الحية ليس لها هدف محدد في ضرورة كون الوظائف دقيقة كما هي في الانسان مثلا. بل يكفي أن تكون وظائف جد بسيطة يمكنها أن تؤدي الى الوظائف الحالية. كل ما نحتاجه هو أن تكون الوظائف البدائية تعمل بشكل يضمن لها ان تستمر (في ظروف بدائية)، لكي يتم التعقيد فيها فيما بعد. نقول أن المادة الحية هي مادة تتمتع بالمرونة ... الجنين في الرحم يبدأ من خلية واحدة تنقسم وتنقسم لنحصل على انسان كامل.

- المادة الصناعية من جهة أخرى لايمكن أن تكون بسيطة أكثر مما هي عليه، لأن أي تبسيط للترانزيستور، أو أي تبسيط للدارة الكهربائية قد يؤدي الى آلة حاسبة عوضا عن حاسوب. لكن لايمكن للآلة الحاسبة ان تنمو إلى حاسوب...مطلقا.

لنعد ونتأمل فكرة "التعقيد غير القابل للإختزال" ولنر إن كان يمكن أن نطبق هذه الفكرة على المادة الحية؟
عندما نقول "تعقيد غير قابل للاختزال" فإننا نعني بها أن أي تبسيط في الكائن، يمكن أن يجعل عملية التكاثر والاستمرارية فاشلة تماما.

لكن الواقع يقول العكس : الجنين غير كامل لكنه مع ذلك يعمل جيدا في بدايات تشكله. ونحن نرى كيف تتطور العين في الجنين.

الخلقيون يعتقدون حقا أن العين لايمكن اختزالها، لأنه يجب أن ترى بنفس الدقة التي ترى بها اليوم.

لكن الحقيقة أنه في بداية الحياة على الارض، لم تكن جميع الكائنات معقدة لهذه الدرجة، لهذا السبب فمجرد عين يمكنها التفريق بين تدرجات الإضاءة والظلام، أفضل بكثير من عين تفرق فقط بين الضوء والظلام...

وهذه العين رغم بساطتها الشديدة (مقارنة بالعيون الحالية) تعطي هذا الكائن ميزة تطورية تجعله يتفوق على جميع الكائنات الاخرى في الوسط في ذلك الوقت.

لكن نفس العين اليوم لن تعطيه ميزة كبيرة, وغالبا ستؤدي إلى انقراضه (الا في حالة وجود طرق اخرى للبقاء، كالتمويه.).

يمكننا القول أن الخلقيين لا يدركون هذه النقطة، أنا أفهم تماما كيف ينظرون الى المادة الحية، لكن رؤيتهم بعيدة كل البعد عن الرؤية في علم الاحياء .

لكي أوضح هذه الفكرة, دعونا نتأمل الرؤية الخلقية :

- الخلقي يتوهم أن الهدف من العين هو أن ترى العالم بطريقة جيدة جدا، أو طريقة تشبه الطريقة التي نرى بها العالم. وهذا خطأ، لقد غاب عنه أن الهدف هو فقط رؤية العالم بشكل يجعله يتجنب الوقوع فريسة للكائنات الأخرى.

- معنى هذا أنه إذا كان لدينا وسط جميع كائناته تملك أعينا بدائية، فأي عين متطورة بشكل ضئيلة (مقارنة بالأعين الأخرى) كاف تماما لكي تتفوق عليها من حيث القدرة على البقاء.

- معنى هذا أنه عندما نقول "العين تطورت" , فنحن لانقصد أن العين كانت ربع عين غير مفيد, ثم تحولت الى نصف عين غير مفيد, ثم تحولت الى عين مفيدة. بل ما نعنيه هو أن العين من البداية كان مفيدة, لكن ما يشبه السباق حدث بين مختلف الكائنات، لدرجة أن أي ميزة مهما كائت صغيرة، يتم نقلها الى الاجيال القادمة، وأي تغير صغير مفيد في تلك الصفة, يؤدي الى نقل ذلك التغير (الطفرة) الى الاجيال اللاحقة. ما ادى الى هذا التعقيد.

إذن :

- المادة الوراثية الحية, لايمكن أن نقول أنها غير قابلة للإختزال، لأن ما يجري عليه هذا القانون هو المادة الصناعية التي تُصنع بالتركيب. وليس المادة الحية التي تطغى عليها الطبيعة النِمائية.

- اذا كنت تقول أن الكائن الحي تعقيد غير قابل للإختزال, فهذا أشبه بقولك أن الجنين سيموت من بدايته, بما أنه غير كامل. الواقع أن الجنين كامل تماما منذ بداية نموه، هو فقط يملك الصفات الوراثية التي تؤهله للبقاء في ذلك الوسط البدائي بالنسبة لشخص بالغ.

- كذلك, الكائنات البدائية (كالجنين تماما), لايمكن أن نقول عنها انها مُختزلة بمعنى "غير كاملة". بل هي مُختزلة بمعنى أنها "كانت ابسط بكثير من الكائنات الحالية، لأن الوسط نفسه كانت تطغى على كائناته الاخرى (المفترسين) صفة البساطة. وعليه فكل كائن يحتاج فقط ليكون أفضل من غيره، ولايحتاج ليكون له عين متطورة.

من هذا نستنتج أن فكرة "التعقيد الغير قابل للاختزال" هي ورقة خاسرة من البداية، عندما نتحدث عن التطور بالانتخاب الطبيعي. لأن الكائن يحتاج فقط أن يتسابق مع الكائنات الاخرى (التي تواكب بساطتها بساطته، وتعقيدها تعقيده)، ولايحتاج أن يكون كائنات معقدا كالانسان من البداية.

ونحن نعرف أن الحياة بدأت بالبساطة الشديدة, إنطلاقا من السجل الاحفوري للكائنات. الحياة لم تبدأ بهذه التعقيد، الدماغ لم يبدأ بهذا التعقيد. القلب لم يبدأ بهذا التعقيد. السجل الاحفوري أكبر دليل على ذلك. وعلم الاحياء التطوري لايقول غير أن الحياة لم تبدأ إلا بالبساطة الشديدة.

آمل ان تكون هذه النقطة واضحة.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا