في الوقت الذي يمكن للعلماء من معظم المجالات إجراءالتجارب وتأكيد التنبؤات  كالفيزياء ، وعلم الأحياء، فإن الفلكيين يواجهون مشكلة فريدة من نوعها إذ لا يمكنهم إجراء التجارب مع النجوم والكواكب. و حتى التلسكوبات الأكثر تقدمالا توفر لنا سوى صور من الكون فقط لتغييرات قليلة جدا خلال حياتنا.

لكن مع ذلك لا تزال هناك أسئلة عديدة تنظر الإجابة، مثل كيف تشكلت مجرتنا درب التبانة، و ماهية المادة المظلمة وما دور الثقوب السوداء الهائلة في وسط المجرات. وفي محاولة للإقتراب من الإجابة على هذه الأسرار التي لم تحل بعد، بدأ بعض العلماء في مشاريع طموحة متمثلة في خلق الأكوان الافتراضية.

أوائل الأدلة الرصدية للكون تأتي من أشعة الخلفية الكونية، و الشفق الناجم عن الانفجار العظيم. حيث يستخدم العلماء هذه البيانات لصنع نموذج محاكي لظروف الكون في هذا الوقت، أي عندما كان عمر الكون حوالي بضع مئات من آلاف السنين، ثم يقومون بإضافة المكونات الأساسية: المادة الباريونية التي تشكلت منها النجوم والكواكب. و المادة المظلمة، والتي تمكن الهياكل و بنيات المجرة من النمو؛ والطاقة المظلمة تلك القوة الغامضة المسببة للتسارع الكوني. يتم ترميز هذه المعطيات في محاكاة مع المعادلات التي تصف العمليات الفيزيائية المختلفة مثل انفجار المستعرات العظمى سوبر نوفا والثقوب السوداء. ثم ينتظر العلماء تطور الكون في هاته المحاكاة : يتسع الكون الظاهري، ويتكثف الغاز في هياكل صغيرة ويشكل في النهاية النجوم والمجرات.

"الشيء المثير هنا هو أنه إذا قمت بهذا الأمر، فالكون الذي يتطور في جهاز كمبيوتر سيبدو مشابها بشكل ملحوظ للكون الحقيقي، أي أننا سنحصل على المجرات من جميع الأنواع و الأحجام و التي تبدو مثل المجرات الحقيقية ".

وهناك نوعان من المحاكاة في هذه الدراسة، محاكاة تمثيلية للحجم، والتي تشكل كميات ضخمة من الكون يمكن ملاحظتها، ومحاكاة الزوم Zoom، والتي تركز على المجرات الفردية أو المجرات العنقودية،  وبينما يجمع علماء الفلك لقطات أكثر وأكثر تفصيلا من الكون، يستخدم علماء آخرون مثل أندرو بونزن Andrew Pontzenمن جامعة لندن محاكاة الزوم في محاولة للتحقيق في خصائص المجرات الفردية.

فضلاً عن دراسة ما يمكننا رصدُه، يعتمد العلماء على المحاكاة الحاسوبية لفهم المزيد عن ماضي ومستقبل كوننا -واﻵن أصبح لدينا رقمٌ قياسي جديد ﻷكبر محاكاة حاسوبية للكون أكثر من أي وقت مضى، ولتحقيق هذا اﻹنجاز اعتمد العلماء على كمبيوتر خارق (supercomputer) لنمذجة نحو 25 مليار مجرة، ثم تحديد إحداثياتها بعد عمل الحسابات اللازمة اعتماداً على 2 تريليون أداة رقمية

المحاكات المطورة من طرف علماء الفيزياء الفلكية في جامعة زوريخ بسويسرا ستخضع للإختبار على متن القمر الصناعي إقليدس(Euclid satellite) المقرر أن يطلق سنة 2020 والمكلف بالتّحقيق في أسرار المادة المظلمة والطّاقة المظلمة، اللّتان لا تزالان أحد أكبر ألغاز العلم الحديث، كما يؤكد رومين تيسير(Romain Teyssier) أحد أعضاء الفريق

لن يكون قمر إقليدس قادرا على رصد المادة المظلمة مباشرة، ولكنه بالمقابل سيكون قادرا على مراقبة تأثيراتها على بقية الكون، وستساعد الحسابات من نموذجنا الافتراضي القمر الصناعي على معرفة ما ينبغي أن تفضي إليه نتائج البحث.

يقول الباحثون: "كلما كانت هذه التنبؤات النظرية أكثر دقة، كلما زادت كفاءة الدراسات الاستقصائية المستقبلية الكبيرة في حل أسرار الكون المظلم".

ولتحقيق أفضل دقة ممكنة للمحاكاة، قضى العلماء ثلاث سنوات في تطوير نوع جديد من التعليمات البرمجية يسمى PKDGRAV3، مصممة خصيصا لتشغتل بسلاسة مع بنية أحدث الحواسيب الفائقة. ويضيف جواشيم ستاديل(Joachim Stadel) قائلا: "سوف يقوم قمر إقليدس بإنشاء خريطة تصويرية لكوننا، تتعقب أكثر من 10 مليارات سنة من تاريخ تطور الكون".

المصدر : 1

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا