هل التطور مجرد نظرية؟

الإجابة : النظرية هي الجزء التفسيري للظاهرة، أي الآليات التي توضح كيفية حدوث التطور. أما التطور بحد ذاته، فهو حقيقة يمكن رؤيتها في الطبيعة، لا شك في ذلك.

من حيث المبدأ، لا فرق بين النظريات، الرياضيات والحواس.

- الحواس لاتعطيك حقيقة العالم كما هو، بل تعطيك نماذج (رياضية تنبؤية) هي أفضل ما تملكه لكي تتوقع ما سيحدث (طبعا إذا لم تكن عالما مختصا)، وتبني عليه تطبيقات علمية فعالة.

وهكذا فرغم أني لا أعرف ماهي التفاحة الحقيقية، إلا أني أعرف النماذج (شكلها، لونها، ...الخ) التي هي عبارة عن أوهام يصنعها لي دماغي، وهذه النماذج فعالة جدا لكي أتوقع النتائج بعد وضعها في فمي.

بنفس الطريقة : النظرية والرياضيات - رغم أن البعض قد يراها مجرد كلام في الهواء - هي أيضا عبارة عن نوع من الحواس، لأن كل ما ينطبق على الحواس ينطبق عليها أيضا :

- النظريات تعطيك نماذج (كما الحواس).
- النظريات لا تعطيك الحقيقة كما هي. (كما الحواس).
- الحقيقة قد لاتكون موجودة، إلا بوجود الحواس والنظريات.
- النماذج النظرية هي التي تعطي للحقائق معناها (كما الحواس)
- النظرية تعطي نماذج تنبؤية دقيقة (كما الحواس، بل أكثر منها دقة غالبا).

هذا يعني أن النظرية العلمية، تأتي في مرتبة أعلى من الحواس نفسها. فهي أدق منها في قوتها التنبؤية عما سيحدث.
قد ترى بعينك صخرة تسقط من فوق، لكن ورغم ذلك فالصخرة قد تسقط على الشخص الواقف تحت، وقد لا تسقط عليه. عينك تعطيك فقط الاحتمالات الممكنة، لكنها رغم ذلك ليست دقيقة. نماذج العين قد تعطيك احتمالات دقيقة في بعض الاحيان، وقد تعطيك احتمالات غير دقيقة في أحيان اخرى، بهامش خطأ كبير جدا.
هنا فإنك هنا ستضع فرضيات علمية. العين قد تعطيك نماذج مباشرة ودقيقة، وقد تعطيك فرضيات لما سيحدث.

من جهة أخرى، نفس النظام، نفس الشخص، نفس الصخرة. باستخدام النماذج النظرية الفيزيائية، ستحدد بدقة كبيرة كيف ومتى وبأي سرعة ستسقط الصخرة على الشخص (بافتراض أنه لم يتحرك من مكانه).
هذا يعني أنه رغم أن للحواس فائدة تطورية في إعطاء نماذج توقعية مبنية على احتمالات قد تكون دقيقة وقد لاتكون. إلا أن النظرية العلمية تعطي نماذج دقيقة جدا.

الحواس تعطيك فرضيات، أما النماذج الرياضية ذات القوة التنبؤية الكبيرة تعطيك نظريات علمية. فالنظرية اذن أفضل من الفرضيات و الحواس في العلوم الطبيعية.
هذا يعني أن النظرية أدق من الحواس في بناء المعرفة. وهي ما جعل للعلم قوة تنبؤية تفوق القوة التنبؤية لعامة البشر، الذين يعتمدون فقط على الحواس. فحقيقة الكون اذن ليست شكلية أو ماهياتية، لكنها حقيقة تغيرية حسب قوانين تنبؤية، فالتفاحة ليس لها حقيقة شكلية، قد يراها كائن من كوكب اخر على شكل خطوط باركود Barcode سوداء وبيضاء.
لكن نفس النماذج النظرية التي قد استخدمها، يمكن أن يستخدمها الكائن الفضائي لتوقع ما الذي سيحدث للتفاحة إذا تركتها تسقط للارض.

لماذا إذن نحتقر النظرية؟

نحن لا نقول أن حاسة السمع سيئة لأنه ليس فيها ألوان. ولا نقول أن حاسة البصر ضعيفة لأنه ليس فيها أصوات.

الصورة لأحد أنواع السحالي، الأفاعي (سمها ما شئت). لو لاحظت جيدا فهي في طور فقدان الاطراف (لاحظ اطرافا ضامرة).

اطرح على نفسك هذه الاسئلة لتحدد بنفسك صحة التطور من خطئه :

1. هل ما تراه عند تلك الأفعى أطراف أم لا؟
2. هل تستخدمها للتنقل؟ نعم , أم لا.
3. هل اعتبره افعى ؟ أم سحلية؟ ولماذا لا استطيع أن أفرق؟
4. هل هي نوع خاص تم خلقه من البداية بذلك الشكل؟ أم أن المنطقي أن اعتبر أن تلك الاطراف آثار لأرجل قديمة؟
5. إذا كانت أرجلا فلماذا لا يمشي بها، لماذا يجرها معه؟
6. لماذا تحمل جيناته نفس المعلومات المشتركة مع السحالي والافاعي؟ ولماذا لا تحمل الجينات المفيدة فقط، بل تشترك معها حتى في الأخطاء الجينية التي تحدث عند نسخ الحمض النووي؟ (نعم هذه حقيقة، الافاعي تملك حقا جينات الهوكس وجينات تكوين الاطراف. لكنها لا تعمل).

كل تلك النقاط فوق، تشير إلى شيء واحد لاينكره إلا شخص يتبع ما يريده : التطور حقيقة نلاحظها بالعين على مستوى توزيع الأنواع، على مستوى الجينات، على مستوى التشريح وحتى على مستوى التقارب بين الأنواع. ولأن هناك تطورا بالانتخاب الطبيعي فلا يمكنك مثلا أن ترى سحلية برأس انسان، أو نمرا بأرجل دجاجة. فالنمر والدجاجة كائنان متباعدان وراثيا ما يعني أنه من المستحيل أن توجد هكذا كائنات.

لكن يمكنك أن ترى أفعى بأرجل سحلية (كما في الصورة) أو قردا بأذن انسان (اُذن القرد تشبه اُذن الانسان في أبسط تفاصيلها)، أو نمرا بعيني قط، أو ارنبا بأذني كنغر مثلا. هذه أمور ممكنة لأن هذه الأنواع متقاربة جينيا.

إذا كنت تتوهم أن الاحافير هي كل ما تقف عليه النظرية، فأنت مخطئ، الأحافير آخر شيء يثبت التطور، بل إن اﻷدلة الاخرى أقوى من الأحافير بشكل لايمكن تصوره. الأحافير ماهي الا تأريخ للظاهرة، الظاهرة بحد ذاتها نراها في الطبيعة والتشريح والجينات.

سوف أضرب لكم مثلا بسيطا : عندما تسير سيارة في طريق غير معبدة ومغطاة بالوحل فإن :

- نظرية التطور هي الحديث عن سبب تلطخ عجلات السيارة بالوحل وكيفية حدوث ذلك، ونوع التربة في كل طريق.
- حقيقة التطور هي رؤية الوحل واستنتاج مرورها من تلك الطريق وليس من الطريق المعبدة.

شخصيا أقوى الأدلة بالنسبة لي على أن التطور حقيقة هو تأملي لعالم الأفاعي، إن عدم وجود أرجل للأفاعي (ووجودها لبعض الانواع)، بل ووجود جينات معطلة تكون مسؤولة عن نمو الأطراف في مراحل تكون الجنين، لهو أكبر دليل بالنسبة لي على أن ما نراه هو التطور وليس شيئا آخر.

طبعا هناك أمثلة قوية كثيرة، لكن هذا المثال بالضبط ليس له أي تفسير آخر غير حدوث التطور.

ملاحظة : الصورة لا تثبت أن الافاعي والسحالي اليوم منحدرة من النوع في الصورة، بل إن النوع في الصورة منحدر من نفس السلف المشترك مع الافاعي. وهذان الاثنان بدورهما (الافاعي والنوع في الصورة) منحدران من سلف مشترك مع السحالي. وهذا السلف المشترك كان له اطراف. فالتطور يتنبأ بحدوث هذه الامور، حيث نجد الأنواع المشتركة يكون من بينها من يعطينا معلومات تشريحية عن الماضي التطوري للأنواع القريبة جينيا. هذه التنبؤات هي التي تعطي نظرية التطور مصداقية على الساحة العلمية.

- أما بالنسبة للفكرة الخلقية (نشوء الأنواع جميعا مرة واحدة) لا تعطي مثل هذه التنبؤات، بل إنها فكرة لا تملك أي صورة اطلاقا. مجرد تخمين، ليست هناك أبحاث خلقية، ليست هناك دلائل جينية أو تشريحية . لا شيء : لايمكنك اخراج علم من هذه الفكرة ببساطة، لأنها تقوم على "معجزة" : أي نشوء كل التعقيد حولنا في يوم واحد أو شهر أو سنة أو حتى مليون سنة.

تجدر الاشارة إلى أن التفريق بين التطور والخلقية (التصميم الذكي), لايعني بالضرورة أن التطور فكرة تنكر أو تثبت وجود الاله. سوف أشرح هذا الامر قليلا :

- التطور لايثبت ولا ينفي وجود الاله. بالنسبة للتطور : وجود الاله موضوع خارج عن العلم اصلا، وهو لا يتطرق اليه اطلاقا : لا بالتأكيد ولا بالنفي.

- التصميم الذكي من جهة أخرى، يقوم بإدخال فكرة الاله (فكرة فلسفية ودينية) في العلم (منظومة قائمة على الملاحظة والبحث العلمي). ثم يؤكد وجود الاله.

هناك من يحاول أن يصالح جانبه العقدي الفلسفي العاطفي، مع جانبه العلمي، فيقول أن التطور حقيقة، وهو طريقة الاله في خلق الكثير من الأنواع، بحيث يسبب بطرق فيزيائية كيميائية يمكنك تتبعها ويمكنك إعادتها في المختبر، بحيث أن الأسباب والمسببات تؤدي نشوء الحياة الأحادية الخلية، التي تؤدي الى نشوء أنواع أعقد وأعقد وأعقد حتى يتطور الانسان من أحدها.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا