السبب في وجود مايسمى " الحالة البشرية Human Condition، هو تطور الغرائز بمعزل عن تطور الذكاء البشري. كيف ذلك؟

تطور الغريزة البشرية حدث قديما جدا، غريزة الطعام، غريزة البقاء، غريزة الجنس...الخ. وهذه الغرائز كلها تسير في فلك واحد : بقاء الكائن ونشره للجينات، بشكل أدق : بقاء الكائن نفسه ليس مهما، المهم هو بقاء المعلومة الجينية نفسها عبر عدة اجيال, مجرد معادلة رياضية.

بعدها تطور الذكاء،  وتطورت معه مفاهيم اكثر تعقيدا من مجرد الطعام أو الجنس، كمفهوم الايثار ومفهوم الجماعة...الخ. فأصبح الانسان يعرف أن قيامه بعمل معين (وان كانت الغريزة تقول له أنه عمل مفيد)، إلا أن ذكاءه يخبره بعكس ذلك (اذا مارست الجنس في الشارع فسوف تتعرض للعنف).
وعليه أصبح الكائن الذكي (الانسان هنا) بين غريزة قديمة تخبره بما يفيد جيناته (وهذا صحيح). وذكاء حديث جعله يحاسب نفسه على اتباعه للغريزة.
يمكننا اذن ان نقول أن الغريزة هي عبارة عن ذكاء بريء, ذكاء بسيط لايهتم الا بالسيرورة الطبيعية لنشر الجينات. بينما الذكاء المعقد : الذي تطور عند البشر في اطار اجتماعي لغوي مبني على مفهوم "أنا ، الاخر ونحن".

هنا،  بما أن لدينا نوعين من الذكاء (الغريزة القديمة والذكاء البشري). فإنه غالبا ما يفرزان في حالة الوعي البشري نتيجتين متضاربتين. احداهما تقول "افعل" والاخرى تقول "لا تفعل". وطبعا السبب هو أنهما تطورا معا في اتجاه الحفاظ على الجينات، لكنهما تطورا في ظروف مختلفة، ما ادى الى اختلاف النتائج، لهذا غالبا ما تسير رغبات الغريزة عكس ما يريده الذكاء البشري.

هذا الامر يولد نوعا من الاكتئاب الوجودي عند البشر، اعني به اكتئابا جماعيا عند جميع البشر بعد سنوات الطفولة وعند بداية مرحلة المراهقة.

من أنا؟ ما الذي يجب أن افعله؟ ما الذي أريده؟ هل أريد أن أرضي المجتمع أم أرضي نفسي؟ ...الخ. كلها اسئلة تجعل الانسان يعيش صراعا بينه وبين نفسه.

إذا ارضى الغريزة فانه يقع في صراع مع الذكاء والمعرفة ( الضياع، الاحساس بالذنب، معاتبة النفس...الخ ). واذا ارضى المعرفة فانه يقع في صراع مع الغريزة القديمة ( الانطواء، الخجل، إرضاء الغير...الخ).

واعتقد أن هذه هي رمزية القصة التوراتية لآدم وحواء،  واكلهما من الشجرة. كانا يعيشان في جنة الغريزة , كانا يأكلان من الفواكه ويسيران عاريين بدون خجل، وبعدما اكلا من شجرة معرفة الخير والشر (عِتْس دَعَاتْ) . عرفا انهما عريانان، خجلا من ذلك... وبدآ يصنعان لهما ملابس،  وكانت هذه هي اللحظة التي خرجا فيها من الجنة الى الارض، حيث عرفا صراعا بين الغريزة و المعرفة الجديدة التي اكتسباها بأكلهما من شجرة المعرفة.

طبعا، القصة يعتبرها البعض رمزية لوصف الحالة البشرية،  وهي الموقف الذي يجد فيه كل منا نفسه في أبسط المواقف، الخجل في بعض المواقف مثلا,، هو صراع بين الغريزة التي تدفعك للدخول في هكذا مواقف،  وبين الذكاء (ماذا سيقول الآخرون عني).
كما أن الضياع (الاحساس بالذنب، كره النفس) ايضا نتيجة للمواقف التي يفضل فيها بعضنا القيام بأعمال غريزية وعدم اعتبار آراء الاخرين ونظرتهم.
وكما قلت، نتيجة هذا الصراع النفسي الذي يعيشه البشر جميعا، سببه هو تطور الغرائر البدائية (الطعام، الجنس، البقاء...الخ) في معزل عن تطور الذكاء (النضج المعرفي، المجتمع، اللغة...الخ).

وهذا الصراع هو سبب انتشار الامراض النفسية عند البشر أكثر من الحيوان. يمكنني أن اقول أن أغلب الصراعات النفسية عند البشر,،ظهرت نتيجة لتطور الدماغ الغريزي بشكل منفصل عن الدماغ التحليلي. دماغ البشر منقسم الى دماغ زاحف Reptilian brain (الجزء المشترك بين البشر والزواحف) وهو أقدم جزء في الدماغ. و الدماغ الحوفي Limbic Brain (الثاني في الترتيب التطوري). و القشرة الجديدة Neocortex وهو آخر جزء تطور في الدماغ، يمكنك اعتباره الدماغ الذي يجعلنا أذكياء بهذا الشكل.
وعند تطور القشرة الجديدة، فإن الجزء القديم من الدماغ (الدماغ الزاحف) لم يتطور ليواكب التغيرات التي تحدث في القشرة الجديدة. بل بقي يحمل نفس الرغبات والغرائز القديمة حتى وان كانت تساهم في قضاء الجينات (لهذا فممارسة الجنس في الشارع مع عدة اشخاص هو أفضل طريقة لنشر الجينات، لكنه أفضل طريقة أيضا للموت رجما من طرف مجتمع محافظ).

خلاصة القول : سبب وجود مايسمى "الحالة البشرية" (او الصراع النفسي الذي يعيشه البشر، الخجل، الاحساس بالذنب، كره النفس, العنف الزائد...الخ) هو نتيجة لعدم وجود اتساق بين عمل الغريزة وعمل الدماغ. إنه أشبه بتضارب للمعلومات في نفس الجهاز.

وهذا أيضا سبب كون البشر اليوم امام عدة تحديات : الاحتباس الحراري، الطعام، جشع شركات النفط، الحروب، التلوث...الخ.
تطورالذكاء كان في صالح البشر : لولاه لما كان عددنا 7 بليون نسمة (وهو شيء غريب على الثديات, رغم أنه عادي عند الحشرات). لكن على البشر دفع ضريبة الذكاء , وهو عيش صراع نفسي بين مختلف اجزاء الدماغ... لاينتهي الا بموت الانسان.

حاول الفلاسفة وعلماء النفس والبيولوجيا ايجاد طريقة للقضاء على هذا الصراع، لكن المشكلة أن المشكلة نفسها هي نحن البشر. المشكلة هي أننا بشر، ولهذا فنحن نعيش هذا الصراع الحتمي.

يمكنني تلخيص الحالة البشرية Human condition في ما يلي :

- تطور الدماغ الغريزي أدّى الى غرائز جميعها ضرورية لنشر الجينات في سياق الطبيعة.
- تطور القشرة الجديدة في الدماغ،  نشوء المجتمع واللغة أدى إلى مفاهيم متجذرة (كالغيرية، الاحساس بالذنب...الخ)،  وهي أيضا ضرورية لنشر الجينات في سياق المجتمع.
- وجد العقل البشري نفسه في صراع بين ضرورة نشر الجينات بالغريزة,، ونشر الجينات بالتفاعل مع المجتمع.
- هذا الصراع أفرز عن نوع من التسوية. العقل البشري دائما يقوم بتقديم تسويات ليوازن بين الغريزة وبين ما يريده المجتمع.
- هذه التسويات تؤدي الى ازمات نفسية يعيشها بعض البشر اكثر من غيرهم, لكن الجميع يمر بها. هناك من يخرج منها في فترة مابعد المراهقة, وهناك من يبقى عالقا فيها حتى الموت. (الاكتئاب مثلا).
- من الصعب القضاء على 'الحالة البشرية', لسبب بسيط : وهي أننا بشر, وهذا ما يعنيه ان تكون بشريا :).

الأمر اشبه بقطارين يسيران في اتجاهين مختلفين (المجتمع والغريزة), لكن على نفس السكة (نشر الجينات). كرااااش !

 

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا