الثانية زوالا - في مكان ما من ولاية اوكلاهوما - الولايات المتحدة.

كان أعضاء هيئة المحلفين جالسين في غرفة يعالجون الموضوع من جميع الجوانب, ”ما الذي يحدث بالضبط؟“ أو كما يقول لسان حالهم. ”ماذا رأينا للتو ؟“ كان هذا عنوان هذا الاجتماع السري قبل جلسة الحكم النهائي. كانوا 11 رجلا, في الواقع 12.. احدهم لم يعد يتحمل الهراء فقرر أخذ قيلولة.

- الرقم 4 : أعتقد أن المتهم مذنب, وأنه يستحق العقاب على جريمة القتل.
- قاطعه الرقم 3 في تردد : لكن مهلا يا سيد...
- الرقم 4 : لاينوس. اسمي لاينوس ... أعمل في شركة لتعليب الاسماك.
- الرقم 10 : يا سيد لاينوس, كيف يمكن ان يستحق المجرم العقاب, والقتيل مازال حيا؟
- الرقم 5 : جريمة القتل هي جريمة القتل, سواء كان الضحية حيا أم ميتا.
- الرقم 1 : هذا جنون, أعتقد أنه يجب علي أن أنسحب من هذه المهزلة...
استمر الحوار عدة ساعات قبل التوصل لقرار, وأي قرار يتخذه هؤلاء و الجريمة لم تحدث أصلا؟ , السؤال كان : ”ما الذي يجب فعله الآن؟“
- الرقم 4 : لاحظوا معي, لدينا صور للضحية, ولدينا جثة, ولدينا مقطع فيديو يشير بوضوح إلى أن المجرم قام بالفعل بطعن الضحية ثلاث طعنات بواسطة مقص بستاني, اثنتان في الظهر, وواحدة في العنق. ألا يبدو لكم هذا شيئا منطقيا؟
- الرقم 10  : هذا هراء يا سيدي... الضحية مازال يسير على قدمين, وقد حضر الجلسة قبل أسبوع, ان كان هذا يعني شيئا فإنه يعني أنه لا يوجد جريمة قتل.
- الرقم 2 : كنت استمع اليكم منذ البداية, السؤال الذي يحيرني : ” كيف يشهد الضحية أن القاتل قد قام بقتله ..ثم يتراجع عن شهادته, ثم يعود فيؤكدها ... وكيف يمكن اعتباره ضحية رغم أن جسمه صحيح تماما؟“
- الرقم 10  : أرأيتم؟ اذا لم يكن هذا هو الهراء الأصلي بعينه؟ فمن ذا الذي يأتينا به يا سادة؟ همم؟ أجيبوني؟
- الرقم 2 : لا أعلم, لنحكم العقل في هذه المسألة يا أصدقاء... ولنستعرض جميع الاحداث : المتهم , من اصول فنلندية .. السيد فاينيموينين لاكونين, 43 سنة : يعمل بستانيا عند الضحية , السيد توماس آل. مابوثير. السيناتور المعروف في ولاية اوكلاهوما. حيث أدت ثلاث طعنات احداها في العنق, واثنتان في الظهر الى موت الضحية بعد 15 دقيقة من النزيف, على الساعة الحادية عشرة مساء, من يوم الخميس منتصف الشهر الماضي. توصلت المحكمة بشريط فيديو يوضح تفاصيل الجريمة, ويوضح عملية دفن الضحية في الحديقة, كما يوضح أيضا بدون أدنى مجال للشك ملامح كل من الضحية والمتهم. و اليوم : لدينا السيناتور سالما معافى في قاعة المحكمة, وبدون أدنى جروح أو ندبات. ولدينا المجرم -الذي اعترف في الجلسة الاولى للمحاكمة بثبوت الجريمة- وهو ينكر اليوم قيامه بالجريمة اصلا بعدما رأى الضحية في قاعة المحكمة , يشهد على أن المجرم قد قام بقتله بالفعل.  ما تعليقكم ؟
- الرقم 1 : إنها مهزلة يا سادة, مهزلة... لا أعتقد أنه من العدل أن أترك عملي لأحضر هذه المهزلة... أرى أن ننهي عملنا هنا, السيناتور حي يرزق , ولا يوجد مجرم : أو لماذا لا نقول أن المجرم قد قتل شخصا مجهولا يُشبه السيناتور وننهي هذه القصة؟
- الرقم 3 : أوافقك الرأي, سيد بيتر, لماذا لا ننهي الأمر بجريمة ارتكبت في حق شخص مجهول؟ أليست هذه فكرة يُمْكِ...
- قاطعه الرقم 5 : أخشى أن هذا ليس خيارا مطروحا ... بصمات الضحية تطابق بصمات السيناتور الحاضر في قاعة المحكمة. علاوة على ذلك, اذا افترضنا ان القتيل شبيه السيناتور, فما الذي يفعله شبيه السيناتور في حديقة السيناتور؟ هل تقولون أنه جاسوس يشبه السيناتور؟ أم أنه مستنسخ من السيناتور؟
- الرقم 4 : ليس هناك تفسير آخر, ما سأقوله قد يبدو غير منطقي, لكنه ظاهر القصة, أسألكم قبل ذلك, هل تؤمنون بانبعاث الموتى؟
- الرقم 10: هل تؤمن أنت بانبعاث اسماك السردين بعد تعليبها ... آه , أعتقد أن رائحتها هي ما بدأ ينبعث في هذه الجلسة ؟
احس الرقم 4 -لاينوس- بالاهانة, فهم بالدخول في مشاذاة عنيفة, لولا تدخل الارقام 5 و 2 و 7 .
- الرقم 9 : هذه مشكلة , حقا مشكلة... لم يعد هناك ما أفعله هنا, لن أقول شيئا حتى نهاية هذا الاجتماع.
استمرت الجلسة ساعة اخرى, دون خلالها اعضاء هيئة المحلفين قرارهم لتقديمه في جلسة النطق بالحكم النهائي... وقبل أن يطفح الكيل بين 10 و 4, وقبل أن يختنق السيد - سيلفر- (الرقم 5) الذي بدأت تبدو عليه أعراض الربو, غادروا القاعة جميعا.

وبينما السيد -سيلفر- يبحث في جيوبه عن رشاش الربو, كان يطرح الاسئلة :
” أتذكر جيدا أني قد أحضرت معي رشاش الربو, لا نسيته في واشنطن, بل أنا متأكد تماما أني احضرته معي قبل شهرين, لكني متأكد أني نسيته... أين هو ياترى؟“

قبل سنتين,  في مكان آخر من العالم - حوالي التاسعة مساء.
كان فلاديمير مانجيروف, مخترع وفيزيائي ورياضي في عقده الخمسين,  في غرفته في مكان ما تحت الأرض... يتحدث مع الحرباء في الصندوق الزجاجي : ”أتدري يا شيشرون, ما حققناه في الأيام القليلة الماضية انجاز كبير بحق. لكن مازال ينقصني تعلم الاسبانية والألمانية. التفت الى غرفة مظلمة متصلة بعدة اسلاك وحواسيب و بلورات... ثم علت وجهه ابتسامة عريضة : ”بقي هناك شيء واحد نقوم به صديقي شيشرون“
ادار فلاديمير كرسي العجلات باتجاه الحاسوب, ثم دخل في دردشة كتابية مع احدهم :
- فلاديمير:  مرحبا ايتيشدا
- ايتشيدا: لم تجبني على السؤال , فلاد.
- فلاديمير: نعم, انها مجرد فكرة, لا اعتقد أنه من الممكن تطبيقها بما لدينا من تكنولوجيا اليوم, مجرد فرضية. هذه المرة ايتشيدا, أنا عندي سؤال لك.
- ايتشيدا: لكني متحمس لسماع المزيد عنها صديقي, لن ازعجك بعد اليوم, قلت لي في المرة الماضية كلمة عن استخدام الطاقة لانشاء فضاء لانهائي تحت-جسيمي , من اجل استثمار تلك المساحة في انشاء ثقوب سوداء تحت-ذرية. ما معنى هذا؟
- فلاديمير: لا .. إنس ذلك الموضوع عزيزي ... سنتحدث اليوم في موضوع آخر حسنا ؟  تعرف هذا الشخص المدعو ”شرودينغر“, انه شخص رائع بحق...
- ايتشيدا: لا يسعني إلا أن أوافقك.
- فلاديمير: تخيل معي أن شخصا يريد تعلم لغتين, لنقل الاسبانية والألمانية, في وقت واحد..  وبدون أن يتعلم الاسبانية والألمانية معا.
- ايتشيدا: ليس لدي أدنى فكرة عما تريد قوله.
-فلاديمير: تخيل معي عزيزي ايتشيدا, أنه يمكنك تقسيم كون الاحتمالات الى كونين متوازيين عن طريق الغاء التراكب الكمي, تتعلم في احدهما الاسبانية ,وفي الاخر الالمانية... ثم تجمع الكونين بعدها باستخدام التراكب الموجي, ثم تلغي الربط الكمي مرة اخرى لتحصل على كون واحد بدون تراكب كونين من الاحتمالات.
- ايتشيدا: هههمم... لم أفهم ؟
- فلاديمير: هل تذكر حديثنا المرة الماضية صحبة يوجين عن قط شرودينغر؟
- ايتشيدا: نعم فلاد , اتذكره.
-فلاديمير: ماذا يحدث للقط عندما نطلق جسيما باتجاه شقي صندوق مغلق, احتمال دخوله من كل منهما 50 بالمئة؟
- ايتشيدا: كما قلنا من قبل, بدون ان ننظر داخل الصندوق, القط حي وميت. هذا يسمى تراكبا موجيا.
- فلاديمير: ماذا لو نظرنا داخل الصندوق؟
- ايتشيدا: في هذه الحالة, يحدث احد الاحتمالين , بينما يحدث الاحتمال الاخر في كون مواز اخر, متفرع من هذا الكون.
- فلاديمير: لنفرض أنني داخل الصندوق إذن, وكان الشق الذي يدخل منه الجسيم هو ما يقرر اللغة التي سأتعلمها . ما الذي سيحدث اذا لم اكن اراقب الشق؟
- ايتشيدا: حسنا, في هذه الحالة, جميع الاحتمالات تتحقق... الاسبانية والالمانية, دعني أستنتج دون مساعدتك : بعدما تراقب الشق الذي دخل منه الجسيم, سيأخذ احتمالا واحدا فقط , الاسبانية أو الالمانية.
- فلاديمير: صحيح ايتشيدا, انا فخور لوجود شخص ذكي مثلك معي. أكمل رجاء.
- ايتشيدا: بعدها, ستتعلم اللغة التي اختارها الجسيم في هذا الكون (لنقل الاسبانية), بينما ستتعلم في الكون الاخر اللغة الالمانية التي اختارها الجسيم هناك طبعا.
-  فلاديمير: ويمكنني عندها ان اخرج من الغرفة العجيبة, وأقضي سنة او سنتين في تعلم اللغة التي اختارها الجسيم , سواء في هذا الكون او في الكون الموازي الاخر.
- ايتشيدا: لكن , اعتقد أن كلا الشخصين في الكونين المتوازيين سيكون لهما نفس الذكريات, وهي ذكرياتك الحالية... لهذا يجب ان ترسم برنامجا صارما طيلة السنتين, أنت لا تريد أن تتعلم الاسبانية هنا, بينما شبيهك في الكون الاخر غير مهتم بالنتائج.
-  فلاديمير: بالطبع, أشاطرك الرأي. لكن قل لي ايتشيدا, هل لديك ادنى فكرة عن طريقة لجمع الكونين مرة اخرى؟
- ايتشيدا: حسنا , د.فلاديمير ... انا احترمك كأستاذ كبير, واعتقد أن اي شيء افكر فيه , قد يكون مر بعقلك من قبل , أعني أنا عمري 20 سنة فقط, وبروفيسور مثلك له ثقله في الساحة العلمية, و...
- فلاديمير: لكن ما لا تجده في حاسوب مهترئ قديم, قد تجده في حاسوب جديد, أعطني فكرة صديقي.
- ايتشيدا : ماهو الشيء الوحيد الذي تسبب في نشوء كونين احتماليين متوازيين؟
- فلاديمير:  إلغاء التراكب الموجي ..بعبارة الاخرى, تسجيل المعلومة عن الشق الذي مر منه الجسيم.. ومعرفة اللغة التي يجب ان اتعلمها.
- ايتشيدا : قبل ذلك ماذا كان؟ أعني, قبل معرفة اللغة أو الشق الذي اختاره الجسيم؟
- فلاديمير : تراكب موجي, جميع الاحتمالات تتحقق في نفس الوقت.
- ايتشيدا : وبعد اختيار اللغة؟ ما الذي يجب فعله لتحويل حالة النظام من ”اختيار لغة“ الى ”عدم اختيار اللغة“؟ ...كيف يمكننا محو المعلومة في كلا الكونين؟
- فلاديمير : لا أرى ما تلمح اليه, لكني اعتقد أن اعادة التراكب الكمي سيعيد لم شمل كوني الاحتمالات, هذا قد يكون صحيحا نظريا.
- ايتشيدا : لكن كيف نُعرف التراكب الكمي؟
- فلاديمير: المعلومة... يجب حذف المعلومة عن اللغة التي تم اختيارها من عقلي. كيف يمكنني حذف المعلومة عن اللغة التي تعلمتها لسنتين؟
- ايتشيدا: لايمكنك نسيان اللغة الاسبانية بالطبع, انها مسجلة في الدماغ للابد ... كما لايمكن لشبيهك في الكون الاخر نسيان الالمانية, لكني اعتقد أنه من الممكن الاحتيال على الاختيار, بحيث أنه لايوجد علاقة بين اللغة التي اختارها الجسيم وبين الشق ,وهكذا فمعرفة اللغة التي تم اختيارها, لا يعني بالضبط أنك تعرف الشق الذي اختاره الجسيم.
- فلاديمير: رائع ايتشيدا, فكرة رائعة. لكن مازال هناك مشكلة... لإلغاء التراكب, وتقسيم الكون الى كونين احتماليين ينبغي ان اعرف الشق الذي مر منه الجسيم...
- ايتشيدا : آه, اذن .. يجب ان تعرف ذلك في البداية, ثم يحدث حائل يجعلك تنسى الشق وتتذكر اللغة, ثم تستمر في تعلم اللغة, ثم تعود فتنسى الشق الذي مر منه الجسيم, يجب ان تنسى ذلك. ليس ان تنساه فحسب, بل يجب ان يُزال من دماغك للأبد.
- فلاديمير : سأفكر في طريقة اعرف بها الشق, ثم اعرف اللغة التي تم اختيارها, ثم اقوم بمحو معلومة الشق من الوجود... المسألة صعبة الحل, لكن حتما سأجد طريقة. شكرا لك ايتشيدا.
- ايتشيدا : لكن, ألا تعتقد أن فعل شيء كهذا سوف يخلق بعض المشاكل في ذاكرة البعض, أعني أولئك الذين قاموا بخيارات مختلفة في كوني الاحتمالات.
- فلاديمير : نعم, أعتقد ذلك, وكما قلت ...تلك مجرد فرضية.
ادار فلاديمير كرسيه, وفكر قليلا : لدى الجيران قطة مزعجة ... اعتقد أنها من يجب ان يتعرف على الشق قبل تقسيم الكونين, ثم علي قتلها عندما اقرر اعادة التراكب الموجي, وبالتالي توحيد الكونين مرة اخرى. المشكلة البسيطة في هذه الفرضية, هي أن الكونين سيتحدان بكل احتمالاتهما, ما سيجعل الناس يتذكرون احداثا لم تحدث, او بالاحرى احداثا حدثت في كون اخر... أليس كذلك شيشرون؟
ضحك البروفيسور فلاديمير مانجيروف ضحكة انتصار هيستيرية... من حقه, سيتعلم لغتين في نفس الوقت.

ملاحظة : ليس كل ماهو وارد في هذه القصة الخيالية علميا بالضرورة, انه مجرد رؤية لما يمكن ان يحدث لو كانت فرضية الاكوان المتوازية صحيحة, وكان ممكنا تفرع الاكوان بالغاء التراكب الموجي, وجمعها بطريقة اخرى.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا