ما هو الحمض النووي الخردة ؟

يجيب على هدا السؤال Wojciech Makalowski أستاذ وباحث علم الجينوم الحاسوبي التطوري computational evolutionary genomics في شعبة علم الأحياء بجامعة بنسلفينيا : يتكون حمضنا النووي من حوالي3.42 مليار نيكليوتيد، ضمن 23 زوج صبغي. للثدييات حمض نووي من نفس الحجم تقريبا -مثلا نجد عند الفئران 3.45 مليار نيكليوتيد و للجردان 2.9 مليار نيكليوتيد ونجد عند الأبقار 3.65 مليار نيكليوتيد- و يحتوي على نفس العدد من الجينات حوالي 35.000. هذه الأرقام ليست مطلقة، فمثلا نجد عند نوع من الخفافيش (Miniopterus schreibersi) فقط 1.69 مليار نيكليوتيد، وبالمقابل نجد عند نوع من الجردان (Tympanoctomys barrerae) حوالي 8.21 مليار نيكليوتيد.

لكل الحيوانات جزء كبير من الحمض النووي لا ينتج أي بروتين بنيويا كان أم وظيفيا، عند الانسان مثلا، فقط 2% من حمضنا النووي ينتج بروتينات. لسنوات عديدة لم يجد العلماء أي دور لهذا الكم الهائل من الحمض النووي (أي 98% من حمضنا النووي)، لذلك أسموه الحمض النووي الأناني selfish DNA لأنه لا ينفع الجسم في شيء. سنة 1972 اقترح عالم الوراثة سوزومو أونو Susumu Ohno اسم الحمض النووي الخردة junk DNA ويقصد به كل جزء من الحمض النووي لا ينتج أي بروتين، وتتكون أساسا من تسلسلات متكررة من النيكليوتيدات.

تنتج هذه التسلسلات من تنقلها عبر الحمض النووي، أو من تغير أماكن أجزاء كبيرة من الحمض النووي،  ويحتوي معظمها على نسخ للجينات القافزة أو الينقولات transposons وهي متسلسلات تستطيع أن تنتقل عبر الحمض النووي أو تنتج نسخ لها في أماكن مختلفة من الحمض. يمكن للأجزاء التي تستعمل آليات النسخ أن تنتقل عبر الحمض النووي و تزيد من حجمه، أما في حالة "قطع ولصق" الأجزاء، فتكون العملية أعقد وتأخذ وقتا أكثر وتتطلب أنظمة إصلاح الحمض النووي. إذا ما قامت هذه الينقولات بالتناسخ داخل الحمض النووي لبويضة أو حيوان ذكري، فقد ينتج عن ذلك زيادة في حجم الحمض النووي للأجيال اللاحقة.

سبب تعبير " الحمض النووي الخردة" نفور العلماء عن القيام بأبحاث حول هذا الجزء الضخم من الحمض النووي، فما الذي سيمكن أن نفعله بالخردة ؟ لا شيء....من حسن حظنا أن بعض المجانين قاموا بدراسة هده الخردة، ولهم الدور الكبير في تغير رؤيتنا لها مع بدايات التسعينات من القرن الماضي، حاليا، ينظر العديد من علماء الأحياء إلى هذه الخردة على أنها كنز مخفي بحمضنا النووي، فعلى ما يبدو أن هذه المتسلسلات المتكررة لها دور أساسي في حمضنا النووي.

الحمض النووي حركي بامتياز : فأجزاء منه تظهر وأخرى تختفي بمرور الزمن، أي أنه يمكن للحمض النووي الخردة أن يتحول إلى جينات تنتج بروتينات.وقد استعمل عالم البيولوجيا التطورية Stephen Jay Gouldو عالمة المستحاثات Elisabeth Vrba تعبير "التكيف المسبق أو التكانف exaptation" لشرح كيف يمكن لأجزاء من الحمض النووي أن تكتسب أدوارا معينة بغض النظر عن أصلها –حتى وإن كانت لا تلعب أي دور في الأصل كما في حالة الحمض النووي الخردة-.
في الواقع، لم يتم اكتشاف بعض الأجزاء اللامنتجة للبروتينات في الحمض النووي البشري إلا بعد فك شيفرته الجينية بسنوات.وقد قام مؤخرا باحثَين وعالمي أحياء من جامعة ستانفورد باكتشاف أنه خلال تطور الفقاريات، تكيف ينقول عكسي retroposon –جزء من الحمض النووي، وأعيد إستنساخه من الحمض النووي الريبوزي RNA ليتم وضعه بعد ذلك بأي مكان من الحمض النووي- وتحول إلى معزز جينات enhancer -هو قطعة من الحمض النووي تتكون من 100-300 قاعدة وظيفتها الأساسية هي تعزيز وزيادة تسريع عملية النسخ الجيني-. ومن جهة أخرى، يمكن لأجزاء غير وظيفية من الحمض النووي عند كائن حي، أن تصبح اكسون exon- وهوجزء من الحمض النووي يترجم ليعطي الحمض النووي الريبوزي الرسول RNAm- عند كائن آخر.
بزيادة المعلومات المتوفرة لدينا حول الحمض النووي غير المنتج للبروتينات، نقترب شيئا فشيئا من معرفة جميع أدوار الحمض النووي الخردة.فهده الأمثلة وغيرها من أمثلة عديدة، توضح كيف يمكن أن يكون للحمض النووي الخردة دور أساسي في حياة الكائنات حقيقية النواة eukaryote، وتطورها، وكيف يمكن لأي خلل فيه أن تكون له نتائج وخيمة على الحياة بشكل عام.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا