نبدأ مقالنا هذا بقصة خيالية بسيطة ستساعدنا على فهم مفارقات السفر عبر الزمن. تخيل معي أن هناك فتاة اسمها سونيا تحتفظ بآلة زمن في مرآب بيتها وفي أحد اﻷيام قررت استعمالها للعودة إلى الماضي، ثم التقت جدها جوناس الذي لم يكن قد تزوج جدتها بعد، أخبرته سونيا بالقصة الكاملة ولكي يصدقها أشارت له إلى بعض اﻷحداث المستقبلية التي ستواجهه والتي تحققت وجعلت الجد يتق بالقصة، وفي أحد اﻷيام دعى عشيقته "جدة سونيا" إلى أحد المطاعم وأخبرها بأنه قد التقى حفيدتهما القادمة من المستقبل، وهكذا...
وكأي إنسان طبيعي لم تصدق الجدة القصة وظنت أن جوناس قد جن، فما كان منها إلاّ أن تهجره وترفض الزواج منه، طبعا لهذه النتيجة تأثير كبير على مجريات اﻷمور حيث أن عدم زواجهما ما يعني بالضرورة عدم إنجاب أم سونيا وبالتالي عدم وجود سونيا أيضا !


إذن كيف يفسر وجود سونيا لتحكي لنا عن مغامرتها! هذا يتعارض مع الحس السليم! فعدم زواج جدا سونيا بالماضي يعني عدم وجودها بالمستقبل.

تشبه القصة أعلاه مفارقة الجد التي طالما حيرت العلماء والفلاسفة، ففي حين تظهر عملية السفر عبر الزمن مستحيلة من الناحية المنطقية إلاّ أن الفيزياء والرياضيات تنبؤنا بإمكانيتها. وقد اعتمد عدة علماء على هذه المفارقات المنطقية للاعتراض على فكرة السفر عبر الزمن أو على اﻷقل السفر إلى الماضي. "يرجى هنا التنبيه إلى الفرق بين المثال أعلاه الذي يخالف المنطق وبين تنبؤات فيزيائية أخرى مثبتة كالنظرية النسبية الخاصة التي تفيد بأنه يمكن لرواد الفضاء القيام برحلة إلى الفضاء والعودة بعد عقود في المستقبل في حين أن الزمن الذي مر عليهما لن يتجاوز سنة أو سنتين"

أولا سنوضح لما لا يعد السفر إلى الماضي شيئا مستحيلا يخرق قوانين الطبيعة وﻷجل ذلك سنبدأ بتعريف مفهوم الزمن نفسه
حسب النظرية النسبية لإينشتاين يتم الجمع بين الفضاء التلاثي الأبعاد والزمن في فضاء رباعي اﻷبعاد ندعوه بالزمكان، وفي حين أن الفضاء العادي يتألف من نقاط مكانية فقط، فإن الزمكان يتكون من نقاط مكانية زمانية أو أحداث، يمثل كلّ منها مكانا خاصا في وقت معين، ويمكن تشبيه حياتنا عليه كشريط رباعي اﻷبعاد يشكل طرفه اﻷول حدث ولادتنا والطرف الثاني الوفاة وهذا الخط الذي يربط مختلف أحداث حياتك بمماتك بالخط الدنيوي، مشكلا مخروطا كما هو مبين في الصورة أسفله. ولعل أهم فرق بين الفضاء والزمكان هو أن الخط المرسوم على ورقة لا يمكن أن يكون متمايل بشكل اعتباطي ﻷنّه لا يمكن ﻷي جسم مادي تجاوز سرعة الضوء وبالتالي لا يمكن ﻷي جسم فيزيائي الخروج عن نطاق المخروط الضوئي (كما هو مبين بالصورة)
تسمى الخطوط التي تنطبق عليها هذه المعايير بالTimelike والزمن كما يرصد بالملاحظة يسير في اتجاه واحد نحو اﻷمام طول الوقت

تتنبأ النظرية النسبية العامة ﻵينشتاين بأن الثقوب السوداء والنجوم الهائلة التي تحدث تشوهات كبيرة في الزمكان مسببة انحناءات في الخطوط الزمنية أيضا. الآن تخيلوا معي أن هذه الخطوط الزمنية أصبحت منحنية لدرجة كبيرة حتى شكلت حلقات مغلقة مع بعضها البعض، تتميز هذه المنحنيات الزمنية المغلقة بنفس الخصائص الزمانية والمكانية للزمكان لكن إذا اتبعنا أحدها سنجد أنفسنا بالماضي وعيش اﻷحداث الزمنية هناك بل وحتى الالتقاء بنفسك وأنت صغير والتصافح معه كأنك تكلم شخصا آخر وكلما كانت الحلقة الزمنية للمنحنى أكبر كلّما أمكننا العودة إلى الماضي أكثر (انظر الصورة للفهم)

للقيام باﻷمر علينا تعلم استغلال المنحنيات الزمنية المغلقة الطبيعية أو محاولة انشاء واحدة خاصة بنا عن طريق طي الزمكان وخلق ممر يمكن لمركبة ما السفر من خلاله إلى الماضي.  يرجى التنبيه أيضا أن هذه المنحنيات لا يمكن استعمالها كممرات دائمة فهي مؤقتة فقط وتتأثر كثيرا إذا تم استعمالها بشكل متكرر، كما أنه إذا سافر شخص ما إلى حدث معين، فإنّه سيلتقي جميع من سبق وسافر إليه من أي وقت مضى في الماضي، أو سوف يسافر من أي وقت بالمستقبل,

مثلا لو سافرت أن من سنة 2230 إلى حدث معين "السنة 100 ميلادية" فسوف ألتقي بكل من سافر إليها عبر التاريخ في تلك اللحظة أي إذا افترضنا وجود شخص يعيش في 2030م و آخر في 4500 م وقرروا السفر إلى هذا الحدث فسنلتقي فيه جميعا في نفس الوقت رغم أننا انطلقنا من مواقع وأزمنة مختلفة (ماضي- مستقبل)
أعرف أن اﻷمر يسبب ال"Mind-blowing" كثيرا لكن إذا ركزتم جيدا فيه ستفهمونه

يبقى السؤال المطروح اﻵن هو: هل يحتوي كوننا على هذه المنحنيات الزمنية المغلقة؟ لا أحد يعرف اﻹجابة لكن في المقابل نملك الكثير من الحدسيات النظرية التي تفسر لنا طريقة تكونها.

تمكن عالم الرياضيات كورت غودل "Kurt Godel" من إيجاد حل لمعادلة آينشتاين يصف هذه المنحنيات وطبقا لهذا الحل فالكون بأكمله يدور (وطبقا للأدلة الحالية فالكون ليس كذلك)، تظهر أيضا هذه المنحنيات كحل لمعادلات آينشتاين الواصفة للثقوب السوداء الدوارة، ولكن هذه الحلول تهمل القوة التدميرية للثقوب، ومدى تطبيقها على الثقوب السوداء الواقعية، وهذه مسألة مثيرة للجدل.
كما أنه حتى لو استطاع المسافر استعمال تلك الثقوب للسفر إلى الماضي فسيبقى محاصرا داخلها، ولهذا السبب يعتقد أغلب علماء الفلك أنه من غير المرجح أن تكون الثقوب السوداء طريقة ناجحة للسفر عبر الزمن. يطرح اقتراح آخر كمثال قد تتحقق فيه وجود هذه المنحنيات المغلقة وهي الثقوب الدودية، حيث بين البروفيسور John A. Wheeler. من جامعة كاليفورنيا كيف يمكن لنهايتي ثقبين دوديين أن تتحول إلى منحنى زمني مغلق، ولكن على ماي بدو فاﻷمر مازال مجرد معادلات رياضية وفيزيائية لحد الساعة ومازلنا بحاجة للمزيد من البحوث كي نتمكن من الوصول إلى التكنولوجيا التي ستمكننا من تطبيق هذه المعادلات على أرض الواقع. ولهذا دعونا من موضوع إمكانية السفر عبر الزمن اﻵن، ولننتقل للإجابة على التناقضات التي قد يسببها اﻷمر، وهل تخرق هذه التناقضات قوانين الفيزياء الكلاسيكية والكمية؟

تقول الفيزياء الكلاسيكية بشكل لا لبس فيه، أنّه عند وصولها إلى الماضي يجب أن تفعل نفس الأشياء التي يسجلها التاريخ لها، ويرى بعض الفلاسفة أن هذا تقييد غير مقبول "للإرادة الحرة". ولكن كدحض للسفر عبر الزمن في الفيزياء الكلاسيكية، فإن هذا الاعتراض غير مقنع. بالنسبة للفيزياء الكلاسيكية في غياب المنحنيات الزمنية المغلقة كلّ شيء حتمي: ما يحدث في أي لحظة مرتبط كليا بما حدث في وقت لاحق.
ووفقا لذلك، فإن كلّ ما نقوم به في أي وقت مضى هو نفوذ لا مفر منه لما حدث قبل أن نتصوره حتى. وغالبا ما تكون هذه الحتمية متعارضة مع الإرادة الحرة، لذلك فإن السفر عبر الزمن لا يشكل تهديدا للإرادة الحرة أكثر مما تفعله الفيزياء الكلاسيكية نفسها.

المعضلة اﻷكبر في مفارقة الجد ليست انتهاك اﻹرادة الحرة فحسب ولكنها خرق ﻷحد أهم المبادئ المنطقية والعلمية وهو مانسميه مبدأ الحكم الذاتي، وفقا لهذا المبدأ يمكننا تكوين أي نوع من المادة التي تسمح بها قوانين الفيزياء محليا دون اﻷخذ بعين الاعتبار ما قد يجري في باقي الكون، وعلى سبيل المثال عندما تركل كرة في مباراة فأنت لن تكون قلقا إن كان اﻷمر سيسبب إحباطا لتكوين أحد الكواكب بمجرتنا أو فشل عملية زرع عضو ﻷحد المرضى في دولة ما، ﻷن ما يجري داخل المباراة يبقى تأثيره محدودا داخلها ولهذا يعتبر الحكم الذاتي مبدأ مرغوب فيه في الفيزياء والمنطق وكذا كلّ العلوم التجريبية الأخرى، فنحن نستطيع القيام بالتجارب في محيطنا دون القلق على تداعيات اﻷمر في مناطق أخرى من الكون.

في غياب تلك المنحنيات الزمنية المغلقة تطيع الفيزياء الكلاسيكية والكمية معا مبدأ الحكم الذاتي، لكن عند وجودها لا تستمر الفيزياء الكلاسيكية باﻷمر وهنا يتمظهر مبدأ جديد طرحه البروفيسور John L. Friedman من جامعة Wisconsin سمي بمبدأ اﻹتساق، وينص هذا اﻷخير على أن ما يجري بالعالم خارج المختبر  يمكن أن يقيد فعليا أفعالنا داخل المختبر، حتى لو كان كلّ ما نقوم به متسقا بشكل تام مع قوانين الفيزياء، عموما تجدر اﻹشارة إلى أن مبدأي الحكم الذاتي و الاتساق لا يتعارضان أبدا، لكن بشكل كلاسيكي عند وجود المنحنيات الزمنية المغلقة يفعلون.

تخبرنا الفيزياء الكلاسيكية أن هناك منحى واحدا وحتميا للأحداث، وبالتالي إذا افترضنا رجوع سونيا بالزمن للخلف لقتل جدها أو إخباره باﻷحداث المستقبلية فالجواب الوحيد الذي يمكن أن نتوقعه طبقا للفيزياء الكلاسيكية هو أنها لن تتمكن من اﻷمر، ولكن ماذا لو تمردت سونيا على كلّ هذه القوانين وقررت فعل اﻷمر؟ ماذا لو قررت برمجة روبوت للقيام باﻷمر بدلا عنها؟ وكيف ستحاول الفيزياء الكلاسيكية منعاﻷمر؟ هناك المزيد من اﻷسئلة الأخرى التي مازالت تطرح الكثير من علامات اﻹستفهام.

دعونا الآن لنعود لقصة السفر عبر الزمن، لنشير إلى مفارقة وتناقض كبير آخر قد لا ينتبه إليه الكثير من الناس وهو ما يسمى: بمفارقة المعرفة. تشير هذه المفارقة إلى أن المعرفة لا يمكن أن تكتسب كنتاج تراكمي لعدة تجارب في الحياة تساعدنا على فهم المحيط واكتساب المزيد من الخبرة، في حين ينتهك السفر إلى الماضي هذا المبدأ الفلسفي المهم ﻷنك بعودتك إلى الماضي تكون على علم باﻷحداث والمعارف الغيبية التي ستحدث بالمستقبل قبل حدوثها، كما أن المسافر يعرف النتائج قبل أن يمر بها حتى. إن عدم التحديد هذا ليس ما نتوقعه عادة من الفيزياء الكلاسيكية، ولكنه أيضا لا يشكل عائقا أساسيا أمام السفر عبر الزمن.
في الواقع فمبدأ عدم التحديد يسمح بمزج القوانين الكلاسيكية بمبدأ إضافي ينص على أنه لا يمكن أن تنشأ المعرفة إلاّ نتيجة لحل المسائل المعرفية. ومع ذلك، فإن هذا المبدأ سيحيلنا على المشكلة اﻷولى المتعلقة بالحكم الذاتي كما واجهناها في مفارقة الجد. مثلا: ما الذي يمنع سونيا من حمل اختراعات مستقبلية وعرضها للبشر في الماضي؟ هنا نخرج بالنتيجة التالية: على الرغم من أن الفيزياء الكلاسيكية تسمح بالسفر عبر الزمن إلى الماضي إلاّ أنها لا تزال عاجزة تماما عن الرد على هذه المفارقات المنطقية. ومن هنا نخرج بنتيجة أخرى وهي:أنّه في حالة وجود تلك المنحنيات الزمنية المغلقة التي تسمح بالسفر عبر الزمن فإننا سنحتاج ميكانيكا الكم لتفسيرها وفهمها وكذا حل كلّ المفارقات الناجمة عنها.

قد تتطلب ميكانيكا الكم وجود منحنيات زمنية مغلقة تلسكوبية، ففي حين يصعب رصد هذه اﻷخيرة على المستويات الكبيرة قد تكون في المقابل جد متوفرة على المستوى "التحت ذري" حيث تسود قوانين ميكانيكا الكم.
لحد اﻵن لا نملك نظرية متماسكة للجاذبية الكمية ولكن بناء على النماذج المقترحة لها يمكننا القول: أن الزمكان مصقول على المستويات "التحت ذرية" ويشبه نوعا ما الرغوة (Foam) حيث يحتوي على ثقوب دودية صغيرة  يمكن اعتبارها منحنيات زمنية مغلقة، في هذه الحالة نتمكن من السفر إلى الماضي بمقدار 10^-42 ثانية إلى الماضي، أحد الاستنتاجات الغريبة هنا هي أن السفر عبر الزمن قد يكون حدثا روتينيا يحدث للجزيئات حولنا على مدار الساعة.

أحد أهم الأشياء التي تجعلنا متأكدين من أن ميكانيكا الكم تستطيع الرد على كلّ المفارقات المنطقية المتعلقة بالسفر عبر الزمن هي: أن النظرة الكمية للأشياء جد مختلفة عن النظرة الكلاسيكية لها، فبدل أن يكون لنا تنبؤا مطلق لما سيحدث تصبح لنا مجموعة من الاحتمالات التي تقبل الحدوث، مثلا: إذا كنا ننتظر أن يتحلل النيوترون إلى بروتون، إلكترون وأنتينوترينو، فمن المرجح طبعا أن نلاحظ ذلك بعد حوالي 20 دقيقة أو قد نلاحظه على الفور، وربما ننتظر ذلك إلى أجل غير مسمى.
كيف يمكننا أن نفهم هذه العشوائية؟ هل هناك شيء نجهله عن الحالة الداخلية للنيوترونات؟ أو أن هناك اختلاف من نيوترون إلى آخر يسبب إختلاف مدة تحلل كلّ واحد منهم؟ هذه الفكرة الجذابة ظاهريا ما تتعارض مع تنبؤات ميكانيكا الكم التي تم تثبيتها تجريبيا.

تم بدل الكثير من مجهودات للحفاظ على النظرة الكلاسيكية للسفر عبر الزمن، ولكن لم ينجح كلّ هذا، لذلك فنحن نفضل أن نأخذ ميكانيكا الكم كقيمة اسمية وأن نعتمد تصورا للواقع الذي يعكس بشكل مباشر هيكل النظرية نفسها.
أول ما يجول بأذهاننا حين التفكير في ميكانيكا الكم هي تلك الاحتمالات وعدم الدقة، أي أن هناك عدة احتمالات تحتمل الحدوث من عدمها، وقد قام العالم Hugh Everett سنة 1957 بتأويل هذه الفكرة بشكل عجيب طارحا مفهوم "اﻷكوان المتعددة" فتخيل الوجود كمجموعة من اﻷكوان يحقق كلّ منها احتمالا خاصا، وإذا أردنا ربط اﻷمر بالمثال السابق يمكن أن نقول: أنّه في كلّ كون تتحقق إمكانية لتحلل النيوترون، أي أنّنا سنحصل على عدة نسخ من الأكوان، في كلّ واحد منها يتحلل النيوترون على مستوى معين فمثلا في اﻷول على الساعة 10:30 وفي الثاني على 10:31 وهكذا... وكما هو مطبق على الكون المتعدد، تتنبأ النظرية الكمومية بالاحتمال الذاتي لكل نتيجة من خلال وصف نسبة الأكوان التي تحدث فيها تلك النتيجة.

لا يزال تفسير Everett لميكانيكا الكم مثيرا للجدل بين الفيزيائيين، وتستخدم ميكانيكا الكم عادة كأداة حسابية، تعطينا احتمال كل ناتج ممكن بناء على معلومات مدخلات ظاهرة فيزيائية ما. في معظم الأحيان لا نحتاج إلى تفسير الرياضيات التي تصف تلك العملية.

هناك فرعين للفيزياء: علم الكونيات الكمية، ونظرية الكم الحسابية التي مازالت تحتاج تطويرا أكثر. هذه الفروع كما الموضوع بأكمله لا تزال قيد الدراسة، ومن بين أبرز الأبحاث في هذين المجالين، يسود تفسير اﻷكوان المتعددة، فماذا تقول إذا نظرية اﻷكوان المتعددة عن مفارقات السفر عبر الزمن ؟

بكل بساطة يمكننا القول أن المفارقة لا تحدث أصلا هنا كي نناقشها! فكيف ذلك؟

كما ذكرنا سابقا فإن كان الزمكان الكلاسيكي قد يحتوي على منحنيات زمنية مغلقة تربط بين نقط مختلفة منه، فإنّه حسب ميكانيكا الكم يجب ربط الأكوان في الكون المتعدد بطريقة غير معتادة. فبدل وجود عدة أكوان متوازية تحوي كلّ منها على منحنيات زمنية خاصة، يحتوي الكون المتعدد بالمقابل على زمكان واحد متكون داخليا من عدد من اﻷكوان تجعل هذه الروابط المسافر عبر الزمن "سونيا مثلا" تسافر إلى كون آخر B مطابق للذي انطلقت منه A حتى لحظة وصولها.

إذا هل تسببت سونيا في منع ولادتها أم لا؟ جواب هذا السؤال يرجع للكون الذي نتخده كمرجع، فمثلا: سنجد في أحد اﻷكوان أن جدي سونيا تزوجا ﻷنّه لم تتم زيارته من طرف سونيا في ذاك الكون، بينما سنجد أنّه في كون آخر "الذي زارته سونيا"  أن الزواج لم يتم، وبالتالي منعت سونيا ولادتها في ذاك الكون فقط، وهذا ما يتوافق تماما مع ميكانيكا الكم.  في الواقع تتوافق ميكانيكا الكم مع مبدأ الحكم الذاتي، حتى في ظل وجودالمنحنيات الزمنية المغلقة(CTC).
لنفترض أن "سونيا" حاولت قصار جهدها لسن المفارقة. وقالت: أنّها قد قرت اليوم  أن غدا ستستعمل آلة الزمن، إلاّ أنّه إذا ظهرت نسخة منها في نفس هذا اليوم وزارتها فهذه النسخة هي نفس سونيا الغد بالمستقبل،وأنّه إذا ظهرت نسخة منها اليوم، في إطار الفيزياء الكلاسيكية، وهذا القرار متناقض ذاتيا لكنّه ليس كذلك في ظل الفيزياء الكمومية، حيث في نصف اﻷكوان سندعوهم باﻷكوانA-  ستذهب نسخة من سونيا المستقبل بآلة الزمن لتزور بذلك نسخة منها في الكون -B- (هذه النسخة الثانية لم تستعمل آلة الزمن) وبالتالي نكون قد حللنا المعضلة المنطقية، وحصلت سونيا على زيارة من المستقبل دون أن تسافر إلى الماضي بالمستقبل، وهكذا تخبرنا ميكانيكا الكم أن اﻷكوان يمكن أن ترتبط مع بضعها البعض بهذه الطريقة دون وقوع معضلات منطقية.

في الواقع يسبب السفر عبر الزمن ظاهرة غريبة أخرى ندعوها بالانفصال غير المتماثل Asymmetricseparation، ولنفترض على سبيل المثال: أن "سونيا" تملك صديقا يدعى "ستيفن"، يبقى خلفها بهذا الكون كلما استعملت آلة الزمن. إذا قامت سونيا بالسفر عبر الزمن دون عودة، فإن ستيفن لن يلتقي بها مرة أخرى أبدا، بينما بالنسبة لسونيا فاﻷمر مخالف، لكونها ستجد نسخة من ستيفن في أي كون تسافر إليه، أما إذا استعملا معا آلة الزمن على التوالي، فسينتهي كلّ منهما في كون مختلف آخر مع نسخ مختلفة من اﻵخر، وهكذا يرى المراقب بالكون A أن الشخص الذي أمامه يختفي، في حين تظهر نسخة هذا اﻷخير بكون آخر -B- ولربما هذا هو سبب عدم تلقينا ﻷي زيارات من المستقبل حتى اﻵن.

تم تصنيف الفكرة القائلة: بأنه يمكن حل مفارقات السفر عبر الزمن عن طريق الأكوان المتوازية في نطاق الخيال العلمي من طرف بعض الفلاسفة. ولكن ما قدمناه هنا ليس سوى طريقة جديدة لحل هذه المفارقة المبنية على النتائج المادية للفيزياء التي نعرفها حاليا،وجميع الأفكار التي طرحناها حول السفر عبر الزمن ما هي إلاّ نتائج لاستخدام ميكانيكا الكم القياسية لحساب سلوك الدوائر المنطقية تماما مثل تلك التي تستخدم في أجهزة الكمبيوتر، والمسافرون عبر الزمن في هذه الحالة هم حزم المعلومات.

وقد تم الحصول على نتائج مماثلة باستخدام نماذج أخرى، هذه الحسابات تتخلص نهائيا من التناقضات المنطقية، الذي اتضح كما بينا في المقال أنها ليست سوى آثار جانبية ناجمة عن الرؤيا الكلاسيكية للكون، وقد بينا أيضا بأن هذه المفارقات المعرفية لن تشكل أيضا عقبة أمام السفر عبر الزمن، ولكن لا يمكنا أن نثبت إحكام هذه الحجج حتى يتم تحويل مفاهيم مثل المعرفة والإبداع إلى مبادئ فيزيائية، فكما لاحظتم طوال المقال فلا يوجد أي عائق علمي رياضي أو فيزيائي واحد يناقض السفر عبر الزمن، بل العكس فكلّ العلوم التي نعرفها اليوم تخبرنا أن اﻷمر ممكن، في حين تبقى المعضلات المنطقية والمعرفية هي العقبة الوحيدة الكامنة أمامنا.
هناك حجة أخرى منطقية تطرح ضد فكرة السفر عبر الزمن وهي كما قاله ستيفن هوكينغ: إن كان السفر عبر الزمن ممكنا، فلما لم يزرنا أي مسافرين من المستقبل؟ في الواقع هذا المثال خاطئ لأنّه بالنسبة للمنحنيات الزمنية المغلقة فهي تكون قادرة على الوصول فقط للحظة التي أنشئت منها، أي أنّنا إذا اخترعنا آلة للسفر عبر الزمن في 2054 فلن نتمكن من السفر أقدم من ذلك! وستنحصر رحلاتنا عبر هذا المجال، وفي وقت لاحق بالمستقبل سيكون بإمكان المسافرين العودة إلى 2054  حيث ستكون من الماضي آنذاك. يجب أن نعرف أيضا أنه لربما هناك ممرات من المنحنيات الزمنية المغلقة في مكان ما من كوننا، ولكن رغم هذا كلّه لا يجب أن ننتظر وصول مسافرين من المستقبل "كما بيّنا طول المقال"، وبالنظر إلى محدودية قدرات المنحنيات الزمنية المغلقة، وأن مخزوننا منها في أي وقت من الأوقات لا يمكن تجديده في هذا الكون، فإن الحضارات خارج كوكب الأرض أو أحفادنا بالمستقبل لن يكون أمامهم ما يدعو إلى افتراض أن زيارة الأرض في القرن ال 20، وحتى لو كانت، فإنّها لن تصل إلاّ في بعض الأكوان، والتي من المفترض أنّها ليست واحدا

ومن طلّ هذا الكم الهائل من المعلومات المتعلقة حول مفهوم السفر عبر الزمن فإنّنا نحلص إلى أنّه إذا كان هذا السفر مستحيلا، فإنّ السبب في ذلك لم يتم بعد اكتشافه، وبالنظر إلى كلّ العلوم الفيزيائية والرياضية والكونية التي نعرفها اليوم فإنّها تؤكد فكرة السفر عبر الزمن، وبالنظر إلى كلّ هذه الاعتراضات القياسية على السفر عبر الزمن المعتمدة على نماذج كاذبة من الواقع المادي. فإن ّمن واجب أي شخص لا يزال يرفض فكرة السفر في الزمن محاولة التوصل إلى بعض الحجة العلمية أو الفلسفية الجديدة.

المصدر : هنا

إعداد:  Issam Fadili
تدقيق وتحرير: Souhail Goulita

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا