ميكانيكا نيوتن صحيحة عندما يتعلق الأمر بالسرعات العادية، وقيم الجاذبية العادية، وهي تعمل جيدا في الحياة اليومية وتعمل جيدا في التنبؤ بحركة الاجرام.
لكن، هناك استثناءات تفشل فيها ميكانيكا نيوتن : هذه الفيزياء النيوتنية لا تعمل جيدا في قعر بئر جاذبية (قرب الشمس مثلا)، أو عند السرعات العالية (سرعات قريبة من سرعة الضوء مثلا)، وهنا : نحن نحتاج نماذج اخرى تعطينا نتائج يمكنها أن تتنبأ بما نراه. وهذه هي نظرية النسبية الخاصة.

الكون يتوسع باستمرار، وسرعته التضخمية هي حوالي 71 كيلومتر في كل فرسخ فلكي.
الفرسخ الفلكي هو 3.26 سنة ضوئية، هذا يعني أن مجرة تبعد عنا بـثلاث سنوات ضوئية تقريبا، تبتعد عنا بـمسافة 71 كيلومتر كل ثانية.
المشكلة هنا، هي أنه ليست جميع المجرات في الكون تبتعد عنا بنفس المسافة كل ثانية. لكي تفهم الفكرة، خذ بالونا وارسم عليه 3 نقاط. B ، A و C ... وضع النقاط على استقامة واحدة بحيث تفصل نفس المسافة بين كل نقطتين.

الآن قم بنفخ البالون؟ ماذا تلاحظ؟

ستلاحظ أن النقطة C تبتعد عن النقطة A بسرعة أكبر من ابتعاد B عن النقطة A. بالضبط : سرعة ابتعاد C عن A ستكون ضعف سرعة ابتعاد B عن A ، اذا كانت B في منتصف المسافة بين A و C
هذا يعني أنه كلما كانت المجرة بعيدة عنا ، كلما ارتفعت السرعة التي تبتعد بها عنا ، حتى ولو كان تضخم الكون ثابتا بنفس السرعة (حتى ولو كنت تنفخ البالون بسرعة ثابتة)، الاجسام البعيدة تزداد سرعتها بالنسبة لك أنت.
لكن رغم ذلك، سرعة تلك الاجسام التي تبتعد عنك هي سرعة ثابتة، كما أن سرعتك ثابتة ... لكن تضخم الكون (نفخ البالون) يعطي هذه النتيجة الغريبة و المنطقية في نفس الوقت : جميع النقط تسير بسرعات ثابتة بالنسبة لمراقب من داخل تلك النقط. لكن بالنسبة لمراقب من نقطة بعيدة فإن سرعة النقطة تزداد كلما كانت بعيدة. هل فهمت الفكرة؟ جرب ببالون وسترى بنفسك.

هذا يعني أنه عند نقطة معينة (رغم ان تضخم الكون يتم بسرعة صغيرة نسبيا)، إلا أنه على مسافة كبيرة جدا، تصبح سرعة ابتعاد بعض المجرات عنا اكبر من سرعة الضوء. (ونحن ايضا نبدو لهم وكأننا نبتعد بسرعة اكبر من سرعة الضوء ، رغم أن كلينا لا يتحرك بسرعة الضوء، ورغم أن الكون نفسه لا يتضخم بسرعة الضوء ... إلا أن تلك المسافة، تجعل ابتعاد بعضنا عن بعض يكون بسرعة اكبر من سرعة الضوء).

ولحساب تلك المسافة، نقوم بعملية رياضية بسيطة :
سرعة ابتعاد مجرة تبعد عنا بفرسخ فلكي واحد (3.26 سنة ضوئية)، هي 71 كيلومتر في الثانية.
سرعة الضوء هي : 299792 كيلومتر في الثانية.
سرعة ابتعاد مجربة تبعد عنا بفرسخين فلكيين هي : 71*2 = 142 كلم في الثانية.
الآن، كم من فرسخ فلكي نحتاجه لكي تصل السرعة الى سرعة الضوء؟
الاجابة ببساطة هي : 299792 / 71 = 4222.4 فرسخ فلكي...
4222.7 فرسخ فلكي تساوي : 13763.72 سنة ضوئية.

هذا يعني أن المجرات التي تكون بعيدة بمسافة 13763.72 سنة ضوئية ، تبدو لنا وكأنها تبتعد بسرعة الضوء.
وطبعا، أي مجرة تبعد أكثر من تلك المسافة ستبدو وكأنها تسير بسرعة اكبر من سرعة الضوء.
لكن تلك المجرات لا تسير بسرعة الضوء، الكون لا يتضخم بسرعة الضوء (والبالون لاننفخه بسرعة الضوء) ، لكن الطبيعة الهندسية للكون تجعل الأمر كذلك.

هنا ، سأتي على النقطة المهمة ، ركز معي : رغم أن تلك المجرات تبتعد عنا بسرعة الضوء، إلا أنها لا تتحرك بسرعة الضوء داخل الكون.
من جهة أخرى، رغم أننا نبتعد عنهم بسرعة اكبر من سرعة الضوء، إلا أننا لا نتحرك بسرعة اكبر من سرعة الضوء.

ما الذي يعنيه هذا؟

ما يعنيه هو أن النسبية الخاصة (التي تقوم على كون سرعة الضوء هي أقصى سرعة)، تنطبق على هذا المستوى : عندما يتعلق الامر بمنطقة قطرها اصغر من تلك المسافة فوق.

بمعنى آخر :
- النسبية الخاصة تنطبق وتعمل جيدا على مستوى منطقة صغيرة من الكون.
- لكنها تفشل عندما يتعلق الامر بمنطقة كبيرة جدا (لدرجة ان المراقبين على كل طرف من المسافة يلاحظان بأن كلا منهما يسير بسرعة اكبر من سرعة الضوء).
ننتقل إلى فكرة كنت دائما أفكر فيها دون أن أصل إلى نتيجة، وهي فكرة تتعلق بالانثروبي :
لحد الساعة لا أعرف كيف يمكن أن تزداد الأنثروبي في الكون، اذا كنا نعرف ما يلي :
1. هناك سرعة للطاقة والحرارة. وهي لا تتجاوز سرعة الضوء.
2. هناك مجرات تبتعد عنا اسرع من سرعة الضوء،
3. كيف يمكن اذن ان يحدث التوازن الحراري بيننا وبين تلك المجرات؟
4. اذا اعطينا الحرارة والطاقة لتلك المجرة التي تبتعد عنا بتلك السرعة، فهذا يعني أنه لو كان هناك توازن طاقي (موت حراري) في منطقتنا من الكون، فإن فقداننا للحرارة والطاقة (لكي يحدث التوازن الحراري مع المجرة الاخرى) من شأنه أن يخل بالتوازن الحراري في منطقتنا نحن، ما يؤدي إلى خفض الانثروبي في هذه المنطقة. رغم أن الطاقة و الحرارة التي اصدرناها لتلك المجرة لن تصل اطلاقا. هل هذا يعني أن الانثروبي القصوى مستحيلة في الكون؟

وعندما أفكر في الموضوع ... يأخذني هذا إلى سؤال آخر (قد يبدو غبيا وغير علمي) :
عند المسافات الضخمة جدا (كالتي فوق)، والتي تبتعد فيها المجرات عنا بسرعات اكبر من سرعة الضوء. ما الذي يخبر تلك المجرات بوجود مجرات أخرى تبتعد عنها بسرعات اكبر من سرعة الضوء ... لكي تعطي الطاقة و الحرارة؟

هل يمكن لميكانيكا الكم ان تجيب على هذا؟ ما هو الترابط الكمي، وكيف يتجلى التراكب الكمي على هذه المسافات الضخمة؟

هل نحن في طريقنا لنظرية كل شيء؟ هل ستجيب تلك النظرية عن كل هذه الاسئلة؟
عقلي يتوقف هنا يا أصدقائي، نحن لانعرف اليوم الاجابة على هذه الأسئلة.
لكن هناك دائما شيئا نتعلمه : نظرياتنا وأفكارنا ورياضياتنا ومسلماتنا كلها، ليست بالضرورة تعمل على المسافات الكبيرة Large Scale. لهذا ، فكل ما ستقوله في موضوع مصير الكون ، رهين بمكانك من الكون فقط.

نسيت شيئا بسيطا : الفرسخ الفلكي بالانجليزية هو Parsec ... ألا تبدو لكم الكلمة Parsec تشبه كلمة "فرسخ"؟

كلمة فرسخ هي كلمة فارسية في الأصل (پرسنگ )

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا