مدخل إلى علم الطاقات المتجددة الخلايا الكهروضوئية

تعتبر الطاقة الشمسية نوعا ما، أم جميع الطاقات الموجودة على كوكب الأرض؛ فنحن نستخدمها بطرق مباشرة وغير مباشرة: الوقود الأحفوري على سبيل المثال، ما هو إلا طاقة شمسية مخزنة في المواد العضوية كالنباتات عن طريق عملية التركيب الضوئي. والطاقة الريحية بدورها ناتجة عن تسخين الشمس لطبقات الهواء بطريقة تجعل تباين مستويات الحرارة لها تنتج تيارا هوائيا. كما تعتمد الطاقة المائية على تبخر الماء بفعل الطاقة الشمسية، والذي يصعد إلى الغلاف الجوي ليعود ويملأ السدود التي تنتج الكهرباء من خلال طاقة الوضع التي اكتسبها الماء.

يعتبر النظام الكهروضوئي من أرقى وأفضل الطرق لاستغلال طاقة الشمس، وهو عبارة عن تحويل مباشر لهاته الطاقة إلى كهرباء بواسطة خلايا تستخدم اكتشاف العالمين هرتز Herz وهالفاخس Hallwachs والمسمى بالمفعول الكهروضوئي Photoelectric effect، وهو عبارة على انبعاث إلكترون من فلز عند تعريضه لإشعاع من الطيف المرئي أو فوق بنفسجي. الظاهرة تحدث فقط إذا كان تردد الطيف أكبر من تردد محدد متعلق بطبيعة الفلز.

وبعد ظهور أول جهاز كهروضوئي عملي في عام 1950م، عرف هذا الميدان أبحاثا عديدة سعت إلى تطويره قصد استعماله في تطبيقات أخرى ذات أهمية أكبر نذكر منها الأقمار الاصطناعية. وأثمرت هذه الأبحاث  في عام 1985 عن تطوير أول خلية كهروضوئية بمردود وصل إلى 20%، ولقد استطاع فريق علماء وباحثين من مختبر Fraunhofer في عام 2016 تطوير خلية وصل مردودها إلى قيمة 46%.

وقبل أن نغوص في كيفية اشتغال هاته الخلايا، لنستعرض معا بعض خصائص ضوء الشمس. فما الضوء الذي نراه كل يوم، إلا جزء صغير من مجموع الطاقة المرسلة من طرف الشمس والتي تخترق غلافنا الجوي. ضوء الشمس إذن، هو شكل من أشكال الإشعاع الكهرومغناطيسي، والضوء المرئي ما هو إلا جزء بسيط من الطيف الكهرومغناطيسي المبين أسفله.

تمتلك الفوتونات المكونة للضوء خاصيتين رئيسيتين (مرتبطتين بشكل عكسي) هما الطاقة وطول الموجة، بحيث إنه كلما كان الفوتون يمتلك طاقة أكبر، يكون طول موجته أصغر.

تكتب العلاقة التي تجمع بين هاتين الخاصيتين على شكل:

تعتبر الشمس كتلة من الغازات، بدرجة حرارة تصل إلى أزيد من 20 مليون درجة كلفن، وذلك بسبب تفاعلات اندماج ذرات الهيدروجين والتي تنتج عنها غازات الهيليوم. تنتج عن هاته التفاعلات النووية طاقة هائلة تنتشر عبر الفضاء عن طريق الانتشار الإشعاعي. ويجدر بالذكر أن الإشعاع هو الطريقة الوحيدة التي يمكن للطاقة أن تنتشر بها في الفراغ. يضرب جزء من هذا الإشعاع كوكب الأرض ويغديه بالطاقة التي يحتاجها وسكانه للعيش، لكن هاته الطاقة لا يتم استخدامها كليا ويضيع معظمها.

تعمل الخلايا الكهروضوئية على استخدام هاته الطاقة لتوليد الكهرباء، وتقوم بذلك عبر مواد يقابل امتصاصها لطاقة الضوء انتقال الإلكترون من مستوى طاقي إلى مستوى أعلى، ليتمّ انتقال هذا الإلكترون من داخل الخلية إلى الدارة الكهربائية المراد تزويدها بالطاقة.

تتكون هاته الخلايا من طبقات مرتبة بشكل محدد لكي تنجز عملية التحويل، وتحتوي الطبقتان الرئيسيتان والمتواجدتان في الوسط على شبه موصل، يكون في الغالب عنصر السيليكون لوفرته الكبيرة في كوكبنا، وهو أيضا العنصر المستخدم في الشرائح الإلكترونية في الحواسيب والهواتف وغيرها. يتم تغيير عدد الإلكترونات في الطبقتين في عملية تسمى Doping، لنحصل في الأخير على طبقة سالبة N-type بحيث تحمل عددا كبيرا من الإلكترونات، وطبقة موجبة P-type تحمل عددا كبيرا من الفجوات الإلكترونية، ويتم جمع هاتين الطبقتين معا لتكوين تقاطع يسمى PN Junction، وبين الطبقتين الموجبة والسالبة نضع موصلين يمثلان الكاثود والآنود يستخدمان لتمرير التيار إلى خارج الخلية. وفوق الآنود نضع طبقة غير عاكسة للضوء دورها حماية الخلية وخصوصا الطبقة P-type، لأن الآنود فوقها مكون من شرائط موصلة وليس صفيحة كلية قصد تعريض الطبقة لضوء الشمس. ولا نحتاج هاته الطبقة العاكسة في الجهة الأخرى، لأن طبقة الكاثود كافية لحماية الطبقة N-type وذلك لكونها تتكون من صفيحة تغطيها كليا.

تتم عملية إنتاج الكهرباء عبر مرحلتين: أولهما امتصاص الفوتون المنبعث والذي ينتزع إلكترونا من مكانه تاركا فجوة إلكترونية، ينتقل الإلكترون إلى الطبقة السالبة N-type وتنتقل الفجوة إلى الطبقة الموجبة P-type، المرحلة الثانية تتمثل في انتقال الإلكترون من الطبقة السالبة إلى الموصلات المتواجدة فوقها، وينتج اختلاف الجهد الكهربائي بين الموصلات تيار (تحرك للإلكترون من الجهة السالبة نحو الموجبة) في الدارة التي تم وصلها بالخلية.

ليست كل الإلكترونات والفجوات المحررة تستطيع عبور التقاطع PN-Junction، إذ إن بعضها قد يعود إلى نفس المكان الذي انفصل عنه. ولهذا نستخدم ما يعرف بنظرية احتمال التراكم Collection probability لوصف إمكانية عبور أحدها للتقاطع. وتتعلق هاته الاحتمالية بموقع الانفصال، أي بعد الإلكترون أو الفجوة عن هذا التقاطع وبخواص سطح الخلية وكذا المسافة التي يمكن لهما أن يقطعا قبل أن يستنزفا الطاقة المكتسبة ويجتمعا مجددا.

نلاحظ من خلال المنحنى أسفله أنه كلما كان حامل الشحنة قريبا من الأسطح، كان احتمال انتقاله صغيرا والعكس، والمقادير تختلف من نوع سطح إلى آخر.

يمكننا من خلال احتمال التراكم ومعدل التوليد (عدد الإلكترونات المولدة من خلال امتصاص الفوتونات في كل نقطة من الخلية) إيجاد كثافة التيار (التيار الكهربائي في مقطع عرضي) من خلال العلاقة التالية وهي تكامل ضرب معدل التوليد G(x) في احتمال التراكم CP(x) على إجمالي سمك الخلية: W

مع q شحنة الإلكترون وH0 عدد الفوتونات لكل طول موجة.

تنتج خلية واحدة في المعدل 1.5 فولط، وبالتالي وجب جمع الكثير منها على شكل مصفوفات وربطها بعضها ببعض لكي توفر مقدار التوتر الذي نريد، ويتم جمعها على الشكل المبين أسفله:

تُعتمد الكثير من التقنيات الأخرى في تصميم الخلايا الشمسية من أجل زيادة مردودها وتحقيق أكبر قدر استفادة من الفوتونات الممتصة، نذكر منها التقنيات التالية:

  • تقنية جمع الأنظمة الكهروضوئية والأنظمة الحرارية لزيادة المردود.

عند تلقي الخلية الكهروضوئية لأشعة الشمس، فإن هذه الأخيرة لا تتحول فقط عن طريق المفعول الكهروضوئي، وإنما هناك جزء كبير يتحول إلى طاقة حرارية تأثر على مردودية الخلية. وفي أغلب الأحيان نقوم بتبريدها لكي نحول بينها وبين ضياع الطاقة في الخلية، الشيء الذي يضيع هاته الطاقة الحرارية من جهة، والطاقة اللازمة للتبريد من جهة أخرى.

في هاته التقنية والمسمات HCPVT systems أي "النظام الكهروضوئي الحراري المركز بشدة"، نستعمل تركيبا ندمج فيه المركزات الحرارية لأشعة الشمس مع خلايا PV لكي نستفيد من المفعولين الطاقيين في نفس الوقت ونزيد المردودية بشكل رائع.

تعتمد التقنية على مستقبل الرقاقات مبرد بالماء (MCR) مركب في النقطة المحورية للمركز الشلجمي. حيث تنتج الخلايا الكهروضوئية طاقة بمردود أكبر من 25%.

ويتم استعمال 50% المتبقية للتسخين والتنقية وأشياء أخرى عديدة، وبالتالي نحصل في الأخير على مردود اجمالي يصل إلى 75%.

في الصورة أسفله نجد تركيب نظام HCPVT مع جهاز تبريد فوق على اليمين، غشاء تحلية وتقطير الماء أسفل على اليمين ومجموعة خلايا كهروضوئية مركبة على المستقبل MCR فوق على اليسار.

يستعمل المركّز الشلجمي لتركيز الأشعة الشمسية على المسخن المركب على المستقبل، بهدف تسخين الماء القادم لكي يُفقد الأشعة بعضا من حرارتها لتفادي تسخين الخلايا مما يخفض من مردوديتها، وفي نفس الوقت يستعمل الماء المسخَّن في أشياء أخرى كإنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق التوربينات.

  • التركيز الضوئي باستعمال العدسات CPV

هناك طريقة أخرى تتمثل في تركيز الضوء الآتي نحو الخلية بواسطة عدسات لها شكل معين تتم هندسته بدقة فائقة باستعمال تطبيقات رياضية على الحاسوب، حيث تنجح هاته التقنية في جمع الأشعة على مساحة أكبر من مساحة الخلية، وبالتالي زيادة المردود.

  • استخدام النانو تكنولوجيا

نحاول في هاته الطريقة إيجاد الشكل الذي سيعطينا نتائج أحسن من الشكل المسطّح، وسأناقش هنا أخر ما توصل إليه مجموعة علماء من مختلف الجامعات ومراكز الأبحاث كجامعة Pohang للعلوم والتكنولوجيا بكوريا ووكالة ناسا الأمريكية، ويتعلق الأمر بتصميم يعتمد على تقنية النانو تكنولوجيا، يؤدي إلى نقصان في عدد الفوتونات التي ترتد عن السطح وذلك باستخدام خيوط لها شكل مخروطي كما يبين الشكلين أسفله a وb، يؤدي دخول الفوتونات لهذا السطح إلى مُحاصرتها من كل الجوانب، وبالتالي إن ارتدت سيكون اتجاه ارتدادها موجها نحو سطح أحد المخروطات.

في الشكل b نرى صورة ملتقطة بالميكروسكوب الإلكتروني لسطح خلية.

وفي الصورة c نرى الشكل المخروطي للعينة.

وتمثل d صورة للخلية بأكملها مساحتها ²cm1

السؤال الذي يطرحه العديد هو إن كانت هاته التكنولوجيا خالية من الأضرار البيئية كليا، لماذا لم نعتمد كليا عليها بعد؟

توجد مشاكل في تكنولوجيا PV تحول دون استخدامها بصفة كلية بديلا عن طرق استخراج الطاقة الأخرى. وأبرز تلك المشاكل: الانقطاع في مدة الإنتاج، غلاء المكونات التي تستخدم في الخلايا ذات مردود عال، صعوبة إنتاجها لما تتطلبه من دقة كبيرة في التصميم وبيئة إنتاج نظيفة للغاية، كون المزارع الشمسية تثبت غالبا في مناطق بعيدة عن المنشآت السكنية، وبالتالي غلاء سعر نقل الطاقة الكهربائية وضياع نسبة كبيرة منها بالمفعول الحراري في موصلات النقل.

 

وللتغلب على مشكل انقطاع الإنتاج في الأوقات الغير مشمسة (الليل أو الغيوم..) يمكننا إنشاء محطات إنتاج الطاقة من خلال الألواح الكهروضوئية في مختلف بقاع العالم، وربطها بموصلات فائقة لتجنب ضياع كميات هائلة من الطاقة، وبالتالي يمكن للمنطقة المشمسة تزويد المنطقة المظلمة بالكهرباء في أوقات معينة والعكس. أي أن إنشاء شبكة إنتاج حول العالم كفيل بحل هذا المشكل.

أما بخصوص غلاء المكونات المستخدمة في الخلايا ذات المردود العالي، فيجب على العلماء المتخصصين في هذا الميدان محاولة إيجاد بديل متوفر بكثرة وله نفس خصائص هاته المكونات، أو أن يحاولوا البحث عن طرق للاستفادة من كامل طاقة الإشعاعات الشمسية باستخدام السيليكون الوفير لكن بطرق صناعية مختلفة كالتي رأينا مع الطريقة النانو تكنولوجية.

وبالنسبة لمشكل ضياع الطاقة عند نقلها لمسافات كبيرة، يتعلق هذا العامل بالبحوث في الموصلية الفائقة، إذ يحاول المختصون الوصول إلى إنتاج كيبلات ذات موصلية فائقة بثمن يسمح بالإنتاج المكثف mass-production.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا