بعدما شرحنا في الجزء السابق كيف أن نظرية اﻷوثار تنتمي لمجال الفيزياء الكمية ولأنها تشمل الجاذبية، فإنها تصنف كنظرية جاذبية كمومية، إضافة إلى أدواتها الرياضية، سنقوم في هذا الجزء بمناقشة أهم اﻷسئلة حول هذه النظرية العلمية

نبدأ بسؤال : لماذا تعتبر نظرية اﻷوتار نموذج جيد لنظرية كل شيء ؟
الجواب بكل بساطة يأتي من النظرية نفسها، حسب نظرية اﻷوتار يعرف كل جسيم كطريقة اهتزازية للوتر، التّشبِيه الموسِيقِي للأمر مناسب جدا (حيث يمكن للوتر الموسيقي اﻹهتزاز بأوضاع مختلفة وإعطاء صوت مختلف مع كل اهتزاز)، وبما أنه يوجد نوع واحد من اﻷوتار فقط، وكل الجسيمات في المقابل ماهي إلا نتيجة ﻹهتزازاته المختلفة فبالتالي يمكننا دمج جميع الجسيمات والتفاعلات في نظرية واحدة، فمثلا عندما نفكر في اضمحلال بيتا (Beta Decay)

α → β + γ

 يتحلل الجسيم الأولي α إلى جزيئات β و γ، تفسر نظرية اﻷوتار باﻷمر بوجود وتر واحد كان يهتز بطريقة تعطينا جسيمات α، قم انقسم إلى وترين يهتزان بطرق تعطينا جزيئات β وγ

 

هل نحن متأكدون من أن نظرية الأوتار هي نظرية كمومية جيدة للجاذبية ؟
لا نملك كامل اليقين بعد، ولكن الأدلة جيدة جدا. في الواقع، لا تظهر المشاكل التي تواجهنا عندما نحاول أن نُكمم النظرية النسبية العامة داخل مفهوم نظرية اﻷوتار، كما أنها فريدة من نوعها لكونها لا تحتوي على بارامترات بعدية بحاجة للضبط، فكما نعرف جميعا يحتوي النموذج القياسي للجسيمات على مايقارب عشرين بارامتر يجب ضبطها على قيم مضبوطة، وعندما يتم ضبطها على قيم مختلفة نحصل على نظريات مختلفة والتي تعطي بالتأكيد تنبؤات مختلفة، في حين أن نظرية اﻷوثار تحتوي على معلمة بعد واحد وهو طول الوتر ls والذي يساوي طول بلانك 10^{-35} متر

العلامة الثانية على تفرد هذه النظرية هي كون أبعاد الزمكان بها ثابتة، فكما نعرف جميعا يتكون الزمكان من 4 أبعاد (3 للمكان و واحد للزمن)، أما في نظرية اﻷوتار فيظهر عدد اﻷبعاد من خلال عملية حسابية والجواب ليس 4 أبعاد، بل 10 !
بعضها مخفي على مستويات جد صغيرة يستحيل رصدها بالتكنولوجيا الحالية، ولكن إن كانت نظرية اﻷوتار صحيحة فعلا فهناك آليات رياضية وفيزيائية تضمن لنا أن عدد اﻷبعاد المرئية 4 فقط، وبما أنه لا توجد بها أي برامترات متغيرة للأبعاد فإن هذا دليل آخر على تفرد هذه النظرية، حيث يعني ذلك بالمقابل أنه لا يمكن تغييرها أو تعديلها حسب البارامترات المعمول بها، غير أنه هناك عدة نظريات مشتقة لها يمكن الحصول عليها بطرق أخرى، إذن كم عدد نظريات اﻷوتار ؟ وإن كانت فعلا متفردة لما هناك عدة فروع لها ؟
هنا أحتاج تركيزكم الجيد ! ما تقرؤونه اﻵن هو آخر ما وصلت إليه الفيزياء الحديثة، ورغم أني أحاول تبسيطه قدر اﻹمكان إلى أن اﻷمر يبقى معقدا نوعا ما، ويحتاج تركيزا كبير.
أولا دعونا نشير إلى أن هناك نوعين من الأوتار (مغلقة ومفتوحة)، اﻷوتار المفتوحة لها نهايتين، في حين أن المغلقة ليس لها نقط نهاية، وبالتالي هنا يمكننا العمل على نظريتين اﻷولى باﻷوتار المغلقة فقط، والثانية بكلا اﻷوتار (مغلقة ومفتوحة)، وبما أن اﻷوتار المفتوحة يمكنها أن تغلق حول نفسها وتكون أوتار مغلقة فإننا لا نأخد نظرية اﻷوتار المفتوحة فقط بعين اﻹعتبار (ﻹن اﻷمر سيكون بمجرد تكرار فقط، ولا يعطي نتائج جديدة)


جميل اﻵن تكلمنا على التقسيم اﻷول للنظرية المبني على شكل الوتر، دعونا اﻵن نتكلم عن تقسيم ثاني بين نظرية اﻷوتار البوزونية"bosonic string theorie"، ونظرية التناظر الفائق "superstring theories"

نظرية اﻷوتار البوزونية تفسر اﻷمر في 26 بعد حيث تخضع جميع الاهتزازات لإحصاء بوز-آينشتاين (تقول مُبرهنة إحصائيّات العزم المغزليّ للجسيمات الأوليّة: أنّ البوزونات يجب أن تملك عزمًا مغزليًّا صحيحًا، كما أنّ البوزونات هي الجسيمات الوحيدة القادرة على شغلِ نفس الحالة الكموميّة لنظامٍ منها)، غير أن هذا الصنف من النظرية البوزونية لا يوجد به فيرميونات، ولهذا فهي تعتبر غير واقعية، بينما بالمقابل توجد نظرية اﻷوتار الفائقة اﻷكثر تعقيدا والتي تشتغل في نطاق 10 أبعاد فقط، وهي تشمل البوزونات والفيرميونات معا يجمع بينهما التناظر الفائق ! وهذا سبب تأكيدنا على نظرية التناظر الفائق في الجزء اﻷول من السلسلة كأساس مهم وضروري لبناء نظرية اﻷوتار، وإلى جانب هذين اﻷخيرين تظهر الجرافيتونات كاهتزاز لوتر مغلق، وتبقى الجائبية قوة أساسية ذات تأثير ملموس، حيث يقوم التناظر الفائق SUSY بربط التناظرات الداخلية و تناظرات بونكارية ( تناظر الإنتقال في الزمكان)، هذا أمر غير معهود ومستحيل دونه. وهو ما جعل النظرية مقبولة على الصعيد النظري.فكما بيّنا سابق تقتضي نظرية الأوتار البوزونية، وجود عدد كبير جدا من الأبعاد (26)، و افتراض جسيمات ذات كتلة تخيلية ( تاكيونات). الأمر الذي قامت نظرية الأوتار الفائقة بإزالته و تقليل عدد الأبعاد إلى (10)، ولكن على حساب المزيد من الجسيمات المفترضة
ثم اكتشاف 5 نسخ من نظرية اﻷوتار إلى حدود سنة 1980، ثم بعد سنوات ثم اكتشاف نسخة جديدة سميت بالنظرية إم (M-theory) تشتغل في إطار 11 بعد، يرجى التنبيه هنا أن النظرية M لا تعتبر نظرية أوتار وسنأتي لشرح اﻷمر بالتفصيل في أجزاء قادمة، ثُمّ تَمّ العثور على العديد من العلاقات المتبادلة بين هذه النظريات، واﻵن أصبح واضحا أن كل هذه النظريات ما هي إلى فروع للنظرية الموحدة الكبرى (نظرية كل شيء)، للأسف لحد اﻵن مازلنا لا نملك نظرية لكل شيء، ومازال الطريق نحوها غامضا ومعقد إلى حد كبير، ورغم ذلك تعتبر نظرية اﻷوتار مرشحا قويا للعب دور نظرية كل شيء، وتوحيد كل القوى اﻷساسية، هذه النظرية الفريدة من نوعها كانت ليصدم آينشتاين من الدور الذي تلعبه ميكانيكا الكم بها، وتناسقها الرائع مع النظرية النسبية، كما كان ليندهش بول ديراك الذي سبق وعبر عن شعوره في أن النظرية الكمية تنشئ عن طريق تكميم الفيزياء الكلاسيكية وهو نفس مضمون نظرية اﻷوتار

يبقى السؤال اﻷكبر واﻷهم للتأكد من صحة أي نظرية هو : هل تقدم أي تنبؤات ؟ وكيف يمكن أن نتأكد من صحتها إن لم تقدم أي تنبؤات يمكن رصدها ؟ الجواب بكل بساطة هو أن هذه النظرية مازالت في بداياتها وحتاج الكثير من التطوير والعمل، غير أنها قدمت عدة تنبؤات (مثل وجود أبعاد فائقة أخرى) إلى أننا غير قادرين لحد اﻵن من التأكد منها، فحسب النظرية هذه اﻷبعاد مخفية بحجم طول بلانك (أي cm lp = 10^{-33}) في حين أن أصغر طول يمكن أن ترصده التكنولوجيا البشرية الحالية هي ( 10^{-16} cm بمصادم الهيدرونات الكبير )
أي أن مشكلة نظرية اﻷوتار هي تقريبا فس مشكلة استكشاف الثقوب السوداء ! الفيزياء التطبيقية والتكنولوجيا عجزت مرة أخرى عن اللحاق بالفيزياء النظرية
قد يأتي تأكيد صحة هذه النظرية عن طريق اكتشاف حلق كوني "cosmic string" كَأَثر مِنَ الكون المبكر، وعموما يمكن الكشف عن هذا اﻷخير عن طريق العدسات الجاذبية أو بشكل غير مباشر من خلال الكشف عن الموجات الثقالية.

*بالنسبة لمصطلح الحلق الكوني :عندما نقوم بحل معادلة تفاضلية جزئية في الطبولوجيا نسمي هذا الحل "Defaut Topologique"، ويسمى التمثيل أحادي البعد (1D) لهذا الحل بالحلق الكوني
هذه الأجسام الأحادية البعد مبنية على افتراض أنها نتتجت في الكون المبكر بعدما انكسر تناظره فيه حدث تحول طوري للكون  ﻷن الزمكان لم يكن Connexe (أي قطعة واحدة بلا ثقوب )

تقبل معادلة وصف الجاذبية في إطار النسبية العامة العديد من الحلول الكونية، يمثل كل حل من هذه الحلول  كونا مستقلا، في حين واحد منها فقط هو الذي يمثل كوننا المنظور، وكما هو معروف كلما كانت الحلول التي تقدمها نظرية ما أقل كلما كانت جيدة في تقديم التنبؤات، وإذا كانت مجموعة الحلول ممثلة ببرامترات متصلة(continuous parameters) فإن إيجاد الحل سيتطلب تعديل قيم البرامتر كل مرة، أي أن نظرية اﻷوتار لا يجب أن تحتوي على هذا النوع من البرامترات المتصلة، وهذا ما شكل عائقا كبيرا لم يكن تجاوزه بالأمر السهل، حتى تم اعتماد مبدأ (flux compactifications)، أو بشكل أكثر دقة (calabi-yau compactification)

لفهم اﻷمر هنا نعود لنظرية Kaluza–Klein theory، حيث حاول كلوزا-كلين توحيد القوى الكهرومغناطيسية والنسبية العامة و افترض وجود بعد مكاني رابع ملتف حول نفسه وقيمتة صغيرة جدا بحيث أننا لا يمكن أن نشاهده، أي أن تلك الأبعاد متجمدة، في حدود مسافة بلانك، وهكذا تم تجاوز مشكلة البرامترات المتصلة، غير أن الغموض لم يتوقف هنا، فقد أظهرت الدراسة أيضا أن هناك ما يقارب10^{500}$$ نموذج آخر لهذه النظرية، يمثل كل نموذج فيهم كونا معينا بقوانينه الفيزيائية الخاصة، هذا الرقم الكبير للغاية هو ما يشكل العائق الحقيقي اﻵن في التأكد من أن أحد هذه الحلول تعطينا النموذج العياري(Standard Model)، كما يقضي على القوة التنبؤية للنظرية أيضا

هناك حجة شهيرة لصالح نظرية اﻷوتار (وقد ذكرها ﻷول مرة البروفيسور John Schwarz) وهي قدرتها على التنبؤ بالجاذبية، وسنأتي لشرح اﻷمر بالتفصيل في القادم من اﻷجزاء ﻷنه سيحتاج الكثير من التركيز و الشرح

انتهينا اﻵن من جزء المناقشة العامة (إضافة إلى الجزء اﻷدوات الرياضية في الدرس السابق)، وحان وقت اﻹنتقال إلى أمور أخرى أولها العلاقة بين اﻷبعاد الفائقة والنسبية العامة إضافة إلى تحويلات لورنتز، وهو ما سنناقشه في الجزء المقبل

المراجع المعتمدة : 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا