كشخص دَرَس الفلسفةَ ودَرَّسَها، أقف دائما بشكل مُلزم أمام ضرورة العودة بشكل دائم نحو المنابع الأولى للفلسفة، منابع ظهور "التقليد/Tradition" لا الفعل، فهذا لا منابع له، بل هو متوفر حتماً بتوفر البشر. التقليد نعني به الإرث المنهجي، والمعرفي، المتوارث والمدوّن والمتلوِّن بمقولات مشتركة بين مجتمع علمي مصغّر، وهذا بالضرورة لم يُتحصّل غالبه إلاّ وسط جماعة فلسفية عاشت في مدينة "ملطية/Milet"* على ضفاف أيونيا القديمة، في أسيا الصغرى -جزء كبير من تركيا الحالية- المطلّة على بحر إيجة، ضمن مجال حضاري واسع كان يسمّى "اليونان الكبير". زمنياً، كان القرن السادس ما قبل الميلادي هو القرن الحاضن للحظة تشكُّل هذا التقليد.

معرفيّاً :

هذا التقليد اختصَّ بنظرة مختلفة للعالم، نظرة فيزيائية مشبَّعة بمطامح جسورة نحو تفسير مادي طبيعي للعالم، مع إقصاء/تخفيف النظرة الدينية للمعضلات، ما سيُنتج نواة لطرح معرفي موازي للتراكمات الدينية المشكِّلة للأفكار البشرية عن الكون والعالم.

منهجيّاً :

1- الإستكان الغالب للعناصر الطبيعية المحسوسة كعناصر أصيلة ساهمت في انبثاق الشرارة الأولى للوجود، مع استكان شبه غالب نحو النظرة الشمولية لهذا العالم، كوحدة كلية لا ككيانات عشوائية ومبعثرة، بغضِّ النظر عن هامش الاختيار الواسع ما بين العناصر المنتقاة للتفسير.

2- تغليب الحدوس الفلسفية في استشفاف الترابطات الممكنة بين عناصر ومكونات العالم، مع الاستخفاف بقيمة الخيالات و المرويّات في أداء هذه المهمة، وفي مستوى أعلى التجربة الحسية.

تاريخيّاً :

المساهمة في خلق منصّة أوليّة لشكل جديد من المعرفة، معرفة تحاول التموضع بشكل محايد، بوضع مسافات أمنة مع الفهوم السائدة؛ التصورات الغالبة، والشائع من المعارف. مشروع سيعرف تمرحلات وتنقُّلات عديدة ليرسم نفسه كصورة أكثر وضوحاً**.

شبه خلاصة :

هناك محاولات عديدة لإرجاع الأفكار المشكلة للتقليد الأيوني لأصول شرقية سابقة، أصول تتلخص في ثلاث مرجعيات حضارية في الغالب، وهي : البابلية، المصرية، الكنعانية/الفينيقية. لهذا الطرح قوته وحجج تفرض إحترامها، خصوصا إذا ما تأملنا خارطة العالم المتوسطي التي تضعنا أمام طرق التفاعل والتشاكل الواسعة، والتي ساهمت في رسم التاريخ المشترك لكل حضارات المتوسط. إلاّ أنّه من ناحية معرفية صرفة، فالتقليد الفلسفي الأيوني انفصل تماما عن هذه الجذور -إن هي وجدت- في اللحظة التي كون نواة مستقلة لجذر شجرة تمددت بشكل رهيب وبعيد جدا عن الشرق وعوالمه، مع العلم أن هذا الشرق المنشود، هو شرق مفترض فقط، لأنَّ بوصلة شرق/غرب هي بوصلة من صنع ذهنيات لاحقة، وفق نظرة طارئة على هذا العالم.
______________
*- إلى جانب فلاسفة ملطية الثلاث :
- طاليس :"624-546"ق.م
-أنكسيمندر :"610-547"ق.م
-أنكسيمنس : "588-524"ق.م
هناك فيلسوف رابع ينتمي لأيونيا، ولكن لمدينة أخرى هي إفسوس، والفيلسوف هو :
- هيراقليطس :"540-475"ق.م.
**- الإنتقال الموالي لهذا الإرث سيكون في الضفة الغربية لليونان الكبرى، وبالضبط في إيليا بجنوب إيطاليا التابعة حينها لهذا المجال، وسيكون هذا الإنتقال على يد أيوني سيشكل نواة مدرسة فلسفية ستساهم في ترسيخ التقليد في بيئة جديدة، والفيلسوف هو :
- إكسينوفان : "560-478"ق.م

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا