استمراراً مع الرحلة 'المخفّفة' في ثنايا المدرسة الأيونية، كأول مدرسة فلسفية يونانية، بإجماع السواد الأعظم من مؤرخي الفلسفة ومفكريها، سنُخصص هذه اللحظة لمحاولة استكشاف تقريبي لأهم الأعلام الفلسفية لهذه المدرسة، أعلام، ومن باب استزادة الفائدة، كانوا جزءاً أساسيا من تشكُّل الموروث الحضاري لليونان ككل، كيف لا وهيرودوت المؤرخ الكبير* هو أيضا عضو في بانثيون أيونيا الثقافي، بالإضافة إلى هوميروس -أو بشكل أدق الشعراء الهوميريين- وهيزيود، مؤسسي الموروث الملحمي في القرن الثامن الما قبل الميلادي، الموروث الشديد التأثير في كل ثنايا وخصوصيات الحضارة الإغريقية كما نعرفها. هذا البانثيون الثقافي سيعزّز بمؤسسي الروح الفلسفية الأيونية بكل الزخم الباثِّ
لشرارة الفلسفة فيما يلي من مراحل تشكّلها اللاحقة.

طاليس/ Tales :
"546-624" ق.م

الشرارة الأولى، الانزياح الأصيل عن المسارات السابقة للنظر، إقصاء الآلهة من الحلول الممكنة في تفسير نشأة هذا العالم. طاليس رغم النَذر القليل من شظايا المعارف المتوفرة عنه - وهو الحال ما غالب الفلاسفة السابقين لسقراط- شظايا تناثرت حول تنبّؤٍ بكسوف "585/610" ق.م أوقف الحرب بين الليدين والميدين -فرس أسيا الصغرى المجاورين لأيونيا- في حينه، ثم رحلة إل مصر ميزّها قدرة مزعومة على حساب طول أحد الأهرام، كلها متفرقات عن قيمة طاليس العلمية، متفرقات وصلتنا عن طريق المصادر الكلاسيكية عن هذه المرحلة، بدايةً بتواريخ هيردوت، كتاب الطبيعة لأرسطو، حياة مشاهير الفلاسفة لديوجين اللايرتي؛ مؤرخ الفلسفة في القرن الأول/الثاني الميلادي**. تبقى قيمته الحقيقية من ناحية فلسفية تكمن في وضعه لأحد عناصر الطبيعة، وهي الماء، كمادة أولى لنشوء هذا الكون/العالم. قيمة و أهمية تتركّز في تفسير العالم بعناصره، في محاولة جادّة لتحييد كل طرحٍ ذو طبيعة لاهوتية، ما ورائية، للخوض في هذه المعضلة، معضلة شكّل من خلالها أولى مبادئ التفكير المادّي، وهو شرط ضمن شروط لبناء نظر فلسفي.

انيكسماندر/Anaximandre :
"547-610" ق.م

انيكسماندر هوالحلقة الثانية في المدرسة الأيونية، والفيلسوف المتتلمذ على يد سلفه، والحافظ لمنهجه في النّظر للعالم، طبعا مع وضع المسافة الكافية مع تصورات أستاذه، مسافة كان الضامن لها طبيعة الطرح المختلف عن العالم وتفسيره، مع الحفاظ على الأساس الأصيل في تحييد ما ليس من العالم في تفسيره. لأنيكسماندر أيضا، كما لطاليس، إنجازات علمية "منسوبة"، منها التنبؤ بزلزال كان سيحدث في الوقت الذي كان فيه بإسبرطا وسط اليونان، ثم إدخاله للمِزولة كأول ألة لقياس الوقت اعتمادا على طول ظل شيء ثابت أو قصره عبر أوقات النهار المختلفة، لكن المعلومة الأقرب للصحة هي السبق الذي ناله حين رسم أوّل خريطة لليونان والعالم كما هو متصوّر حينها. إجابة انيكسماندر عن معضلة أصل العالم، مع احترامها لشروط التوفر في العالم، إلاّ أنها كتصور، تعّد أكثر تعقيدا مما قدمه طاليس، فتصور أنيكسماندر يفسِّر نشوء العالم واستمراره عن طريق الأبيرون، والأبيرون هو عنصر خالد، محيط، وحاضن للعالم وعناصره، ويتأسس على مبدأين أساسيين.

1- أنّ الأبيرون لا محدود كيفّاً؛ أي كعنصر غير محصور ولا متناهي إذا ما تمازج مع باقي عناصر العالم الأربع، وهي إشكالية لم ينتبه لها طاليس سابقا، فالنار قادرة على إفناء الماء، والحار قادر على حصر البارد، بينما الأبيرون فهو لا محدود كيفا بشكل قادر به على خلق هذه العناصر دون أن تكون لها القدرة على إفناءه كما هو الحال مع الماء والنار.

2- أنّ الأبيرون لا نهائي كمّاً؛ أي أن العالم بعناصره، يحتاج إلى منبع لا ينتهي لتستمر عناصره في التوفر، وهو الشيء الغير ممكن حسب أنكسيمانس، إذا ما استشفينّا محدودية العناصر المنسوب لها الأصالة في جَبْل العالم، وهنا تظهر لا نهائية الأبيرون من حيث هو مصدر خلفي لا نهائي لتوفير عناصر العالم.
______________
*- هيرودوت "480-420"ق.م هو أحد أهم المؤرخين في العصر القديم، ساهمت موسوعته، تواريخ هيرودوت، في إماطة اللثام عن جزء كبير من تفاصيل العالم كما عاصره، خدمة تأريخية جليلة، رغم المآخذ التي شابت عمله.
**- تعدُّ هذه المصادر، إلى جانب جمهرة من المشائيين منهم..فلوطارخس، سمبليقيوس، هيبولتوس، ساهموا في توفير معطيات عن انيكسماندر خصوصا، وعن مرحلة ما قبل سقراط عموماً.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا