قد يبدو سؤالا سخيفا، لكن فل نفكر قليلا بالإنسان البدائي مثلا، هل كان الناس يحلمون دائما حتى عندما كان العالم حولهم بسيطا و دنيويا ؟ الإجابة هي نعم، فبالرغم من أنّنا لا نملك اجابة قاطعة، إلاّ أنّنا نعلم أنّه قديما في العصر الروماني مثلا، كانت الأحلام و الرؤى تعرض على مجلس الشيوخ من أجل تحليلها و تفسيرها !

إذن ماذا فعل الإنسان القديم بهاته الصور الغريبة التي تراوده أثناء نومه ؟ حسنا قام بما نقوم به نحن أيضا اليوم، و هو محاوفة تفسيرها. فتفسير الأحلام يعود للفترة بين 3000 و 4000 سنة قبل الميلاد؛ حيث وجدت مؤَرّخة في لوح من الصلصال.

فطالما أنّنا لم نستطع الإتصال بأحلامنا، فقد كنا منبهرين بها و حاولنا جاهدين فهمها و تفسيرها، فالناس في المجتمعات البدائية كانوا غير قادرين على التمييز بينها و بين العالم الحقيقي، فلم يروا الأحلام على أنّها امتداد للواقع، بل إنها عالم للقوة. و في العصر الروماني القديم كانت الأحلام ترى في سياق ديني و على أنّها رسالة من الالهة؛ حيث بنيت معابد الـ Asclepieons و كان الغرض منها؛ أو كما يعتقد، هو علاج الناس بحيث ينام المريض في أحدها ليتمّ إرسال العلاج من خلال الاحلام. و لم يكن الأمر محصورا على الرومان فقط، ففي مصر أيضا مارس الكهنة تفسير الاحلام.

الأحلام وفرت للمعالجين دلائل حيوية لمعرفة سبب علة صاحب الحلم، فالحلم يمكن أنْ ينظر إليه على أنّه المكان الفعلي أو الخاص الذي تتركك روحك كل ليلة و تذهب إليه.

الصينيون اعتقدوا أيضا أنّ الروح تغادر الجسد لتهيم في هذا العالم، و قد ساد الإعتقاد بأنّ إيقاظ النائم فجأة قد يجعل روحه تفشل في العودة لجسمه، لهذا نجد أنّ بعض الصينيين لا يزال لديهم قلق من المنبهات، و ليسوا وحدهم، فبعض القبائل الأمريكية الأصلية و الحضارات المكسيكية تشاركهم نفس الاعتقاد .

من المعتقدات الأخرى لديهم، أنّ روح أسلافهم تعيش في الأحلام متخذةً أشكال غير بشرية؛ كالحيوان و الجماد، و يرون الأحلام على أنّها وسيلة لزيارتهم و التواصل معهم. كما اعتقدوا أيضا بأنّ الأحلام وسيلة لتحديد، أهدافهم و مهمّاتهم في الحياة. في حين أنّه في العصور الوسطى، كانت الأحلام شرّا،ً و اعتبرت اغراءات من الشيطان، إذ أنّه في حالة النوم الغير المحصن، أُعتقِد أنّ الشيطان كان قادرا على بث الأفكار السامة في العقل البشري، حيث كان يقوم بأعماله القذرة من خلال الأحلام ليضِلّ الناس عن السبيل السويّ.

درس كارل يونغ Carl Jung تحت إشراف سيغموند فرويد للأحلام أهميتها و أهمية تفسيرها، محدثا ثورة في دراسة الأحلام، لكن اختلاف نظرتهما للأحلام و تفسيرها، قاد كلٍ منهما للذهاب في طريق مختلف. يونغ اعتقد كما فرويد بوجود اللاوعي، لكنه مع ذلك لم يرى اللاوعي بأنه حيواني أو جنسي او غرائبي، بل كان بالنسبة له اكثر روحانية. الأحلام كانت بالنسبة له طريقة للتواصل و معرفة أنفسنا. يونغ كان يرى أنّ الأحلام لم تكن محاولة لإخفاء مشاعرنا الحقيقية عن العقل الواعي، لكنها بدلا من ذلك كانت نافذة ل اللاوعي خاصتنا. لقد عمِلت على توجيه الوعي لتحقيق الكينونة و الكمال.

يرى يونغ أيضا أنّ الأنا هو إحساس بالنفس، و الطريقة التي نصف و نقدم بها أنفسنا للعالم. جزء من نظريته كان أنّ كل الأشياء يمكن أنْ تُشاهد على شكل أزواج متناقضة (الخير/الشر، الرجل/المرأة، الحب/الكراهية)، و هي تعمل عكس الأنا؛ أي الأنا الأخر أو ما أسماه هو ب "الظل". فالظل يمثل اسقاطا لجوانب في نفسك لا تتمنى أنت أنْ تعرفها، جوانب تعتبر على نحو ما بدائية و همجية. يقول كارل جونغ " الأحلام هي مصدر كل معرفتنا الرمزية "، ما يعني أنّ الرسالة التي تتلقاها في أحلامك هي مرمّزة و مشفّرة، ويجب تفسيرها لفهم معناها.. و يضيف أيضا قائلا " الأحلام تكشف قوة عقلك"، فبحسبه، نادرا ما يكون الرمز في الحلم ذا معنى واحد، وعند محاولة تفسير الرسالة في أحلامك يقترح أنْ تذهب لأوّل حدس لك، قبل تطبيق المزيد من الطرق العقلانية في التفسير.

المصدر : 1

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا