المدرسة الأيونية/الحلقة الثالثة

نصل في هذه المرحلة إلى وجوب التعُّرف على القطعتين التاليتين، والمشكِّلتين لفسيفساء المدرسة الأيونية. قطعة أولى تجلّت في شخص أنكسيمانس، الفيلسوف الأخير ضمن المدرسة المُؤسّسة في ملطيّة؛ ولكنه ليس خاتما للفلسفة في أيونيا (المنطقة الأوسع، والتي تشمل ملطيّة ومدن أخرى، وهي بدورها تنتمي لمنطقة أكبر، وهي أسيا الصغرى)، لأنّ خاتمة الفلسفة كتقليد رصين في أيونيا، ستكون على يد فيلسوف أخر سنتناوله أيضا في هذه الحلقة، وهو هيراقليطس من إفسوس (مدينة أخرى من مدن أيونيا)، حيث يُعتبر الفيسلوف الأيوني الرابع؛ ولكن بدون صفة انتماء للمدرسة الملطية. بعدها ستترحُّل الفلسفة من هذا الفضاء الذي ذكرنا بسبب انعدام المناخ الثقافي السائد سابقا في عموم أيونيا، وهذا نَتَجَ عن غزو الفرس لأيونيا وتخريبها، لتستقر في أقاليم أخرى من اليونان الكبير، رغم بعض المحاولات المغمورة في إحياء هذه المدرسة في فترات لاحقة.

 

أنكسيمانس/ Anaximéne

"524-580" ق.م

القيمة الأساسية التي من الممكن أن نعليَّ من خلالها أنكيسمانس، عن باقي سابقيه من نفس المدرسة، هي كونه أضاف آلية جديدة في منهجية العمل المنصبّ حول إيجاد إجابة عن معضلة أصل الكون/العالم وطبيعة تشكّله، وتكمن هذه القيمة في كون أنيكسمانس آتى ب"مبدأ" يفسر هذه العملية، وهو الشيء المفقود عند سابقيه، بالإضافة طبعا، لعنصر يخصّه الفيلسوف بلعب دور المنبع الأصلي لهذا العالم. والعنصر حسب أنكيسمانس، هو الهواء. أما المبدأ، فهو "التكاثف والتخلخل". إذن ستكون النتيجة كالتالي.. العالم أصله هواء/ Pneuma* وتشكّل من الهواء عن طريق التكاثف والتخلخل.

1- الهواء : بالنسبة له، هو أقدر من الماء في لعب دور الأصل، لأنه أشمل، ومحيط بكل شيء، ويُتوفر بمقادير ونِسب في كلِّ شيء، وهو كالأبيرون في إحاطته، وهو مثله أيضا في كونه لا نهائي في امتداده، إضافة إلى اعتباره الهواء مصدراً أساسياً لبقاء الكون مستمرا، فالكون يتنفّس كما الإنسان، إذ يَعتبر هذا الأخير Microcosom؛ أي عَالم صغير، في مقابل Macrocosom؛ أي عَالم كبير، والهواء/النفس هي الشرارة المحافظة على حياة هذين العالمين.

 

أ- التكاثف : يَعتبر الهواء هو الحالة المعتدلة/الوسطى من المادة، بحيث في تكاثفها تنتقل كيفيا إلى عناصر أثقل، كالرياح، السحب، الماء، ثم التراب والأحجار كحد أقصى.

 

ب- التخلخل : بنفس مستوى الاعتدال في البدء، تتخلخل المادة الأصلية، والتي هي الهواء كما ذكرنا، لتصير نارا، كأقصى حد في الجهة المقابلة في ما يتعلق بعملية التخلخل.

 

هيراقليطس/ Héraclite D’éphèse

"480-540" ق.م

فيلسوف متأخر قليلا مقارنة بسابقيه، فقد كان عمره ستة عشر سنة فقط، في السنة التي توفيّ فيها أنكسيمانس، إلاّ أنه يعدّ بحق أحد أهم الفلاسفة الماقبل سقراطيين على الإطلاق، وهذا بسبب الفلسفة القوية التي أنتجها، قوة ستجد صدى لها عند فلاسفة كثيرين، امتدوا إلى حدود فترتنا المعاصرة. قد نختصر فلسفته في مرتكزين أساسين :

1- النار لوغوس** الكون وقانونه :

هو أيضا له قول في أصل الوجود، إذ قال بالنار، حيث هي الأصل الأول الذي تصدر عنه الأشياء وترجع إليه، وهي نار لا كالتي نعرف، بل هي نار أثيرية، نسمة حارة حية أزلية وأبدية، وهي قانون/لوغوس العالم ومنبع وجوده، وهي في قوتها تشتد وترتخي، تشتد فتتبلور على شكل بحار وأراضي وسحب، وترتخي لتصير النار المخفّفة التي نعرف.

 

2- أنت لا تنزل للنهر الواحد مرتين :

 

يفسر هيراقليطس كل شيء في الكون على أنه محكوم بقانون التغير، كل شيء متحرك، متبدل، ويعيد تشكيل نفسه في صيرورات غير مستكينة، ويعتبر الثبات والاستقرار فناء وعدم. فالتغير صراع بين العناصر والأضداد، فالوجود ما هو إلاّ موت يتلاشى، وما الخير إلاّ شرٌ يتبدد.

 

ختم وانتقال :

 

بهذا نكون قد تعرفنا على الملامح الكبرى للتقليد الفلسفي الأيوني، ليكون رهاننا التالي، هو التعرف على خصائص هذا التقليد، بعد أن يترحّل لأقاليم أخرى من اليونان الكبير. إذ سنحاول فيما يلي الانتقال إلى فضاء سيرث الازدهار الحضاري، والثقافي، والفلسفي،  من إقليم أيونيا، وهو الفضاء المحدّد بجنوب إيطاليا، الذي كان يعدّ حينها الجزء الغربي من العالم اليوناني الشاسع حينها.

------------------

*- وهنا الهواء يأخذ معنين متمازجين عند انكسمانس، معنى يكون فيه الهواء مصدرا للعالم، والهواء ك "نفس" للعالم، وهو المعنى الذي ينحوا منحاً تأليهيا لهذا العنصر.

**- يعدّ هيراقليطس أوّل من قال باللوغوس، وهو يعني به القانون الذاتي للعالم، وسيعرف المفهوم انتقالات كثيرة في المعنى، سيكون إحداها ذاك المستعمل في المسيحية، حيث وظفته كإرادة إلهية خلفية للعالم.

اترك رد

اكتب تعليق
أدخل اسمك هنا